قراءة في رواية (مختلف ) للأديب الروائي د. أشرف المسمار بقلم الشاعرة ليلاس زرزور

Share

قراءة في رواية (مختلف)

للكاتب الأديب الروائي د. أشرف المسمار

الاختلاف بوصفه طريقًا إلى الإنسانية والتميّز ..

تُعدّ رواية (مختلف ) للكاتب اللبناني أشرف المسمار من الأعمال الروائية التي تتجاوز حدود السرد التقليدي لتلامس قضية إنسانية معاصرة شديدة الحساسية، هي قضية الاختلاف، ممثلًا في اضطراب طيف التوحّد، وتحديدًا متلازمة أسبرجر.

و الرواية لا تقف عند حدود التوعية الطبية أو الاجتماعية، بل تحاول أن تعيد تشكيل وعي القارئ تجاه مفهوم الاختلاف ذاته، فتقدّمه بوصفه نمطًا آخر من الوجود، ورؤية مختلفة للعالم، قد تحمل في داخلها طاقات استثنائية إذا وجدت من يفهمها ويحتضنها.

منذ الصفحات الأولى يختار الكاتب مدخلًا غير مألوف؛ إذ يبدأ من ذروة النجاح وليس من لحظة الميلاد أو المعاناة، فيلتقي القارئ بشخصية حيّان في منتدى دافوس العالمي، حيث يقف بين كبار الساسة والاقتصاديين وأصحاب القرار، شخصية مؤثرة ومرموقة، ثم يعود السرد إلى الوراء ليكشف الرحلة الطويلة التي أوصلت هذا الطفل المختلف إلى تلك المكانة.

هذا البناء الزمني يمنح الرواية بعدًا تشويقيًا، ويجعل القارئ يتساءل باستمرار:

كيف استطاع طفل يعاني صعوبات التواصل أن يبلغ هذه القمة؟ وهو سؤال يصبح المحرك الأساسي للأحداث.

أبرز ما يلفت الانتباه في الرواية هو أن الكاتب لم يجعل التوحّد موضوعًا طبيًا بحتًا، وإنما جعله قضية وجودية وأخلاقية.

فالرواية تناقش علاقة الإنسان بالمختلف عنه.

ولهذا فإن عنوانها (مختلف) يحمل دلالة واسعة، فلا يقتصر على حيّان وحده، بل يشمل كل إنسان خرج عن المألوف في نظر المجتمع، سواء أكان بسبب حالة صحية، أو طريقة تفكير، أو موهبة استثنائية، أو رؤية خاصة للحياة.

على مستوى البناء الفني، اعتمد الكاتب تقنية الاسترجاع الزمني، فبدأ من النهاية ثم عاد إلى البدايات، وهي تقنية نجحت في شد انتباه القارئ، لأن النهاية المضيئة لم تكن هدفًا بحد ذاتها، وإنما أصبحت وعدًا ضمنيًا بأن كل ما سيأتي من معاناة سيقود إلى معنى.

وقد استطاع الكاتب أن يوازن بين الحاضر والماضي دون أن يشعر القارئ بالتشتت، إذ ظل خيط شخصية حيّان حاضرًا في كل مراحل الرواية، سواء كان طفلًا عاجزًا عن التعبير، أو رجلًا عالميًا يعبّر بلغته الخاصة.

أما الشخصيات، فقد جاءت مرسومة بعناية واضحة.

حيّان ليس بطلًا خارقًا، ولا ضحية تستدر العطف، وإنما إنسان كامل التعقيد.

يمتلك ذاكرة بصرية مدهشة، وقدرة خارقة على ملاحظة التفاصيل، وحساسية مفرطة تجاه الأصوات والضوء والروائح، وفي المقابل يعاني صعوبة في التواصل الاجتماعي وفهم المجاملات والعلاقات التقليدية.

هذه الثنائية منحت الشخصية صدقًا نفسيًا كبيرًا، وأبعدتها عن التنميط الذي تقع فيه كثير من الأعمال التي تتناول ذوي الاحتياجات الخاصة.

إلى جانب حيّان، تبرز شخصية الأم سوزان بوصفها القلب النابض للرواية.

فهي لا تمثل الأم المثالية الخالية من الضعف، بل الأم التي تخاف، وتبكي، وتتردد، ثم تنهض من جديد.

عاش القارئ معها لحظات القلق الأولى عندما تأخر ابنها في النطق، ثم لحظة الصدمة عند سماع كلمة “التوحّد”، ثم رحلة البحث عن الفهم والعلاج والاحتواء.

لقد نجح الكاتب في تصوير الأمومة هنا بوصفها فعلًا من أفعال الإيمان والصبر، وليس مجرد غريزة فطرية.

أما الأب جواد، فقد بدا أكثر هدوءًا واتزانًا، لكنه لم يكن أقل عمقًا. فبينما كانت الأم تعبّر عن مخاوفها بصوت مرتفع، كان الأب يخوض معاركه في الداخل، محاولًا أن يكون السند الذي لا ينهار. وقد جاءت شخصيته مكملة لشخصية الأم، ليشكلا معًا نموذجًا للأسرة التي تتعلم كيف تعيش مع الاختلاف بدل أن تحاربه.

ومن أجمل ما في الرواية أن الكاتب لم يجعل الوالدين يغيران حيّان، بل جعلهما يتغيران هما أولًا.

فكلما ازداد فهمهما لابنهما، ازداد نضجهما الإنساني.

وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن الرواية تؤكد أن المشكلة ليست دائمًا في المختلف، بل في المجتمع الذي لا يعرف كيف يتعامل مع اختلافه.

اللغة التي كتب بها الروائي أشرف المسمار تمتاز بجمال واضح ونبرة شاعرية هادئة، خصوصًا في وصف المشاعر والمشاهد الفنية والمعمارية.

يتجلى ذلك في وصفه لمدينة برشلونة، وكنيسة ساغرادا فاميليا، ومشاهد دافوس، حيث تتحول الأماكن إلى شخصيات حية تشارك في تشكيل الحدث.

كما أن خلفية الكاتب الفنية تبدو واضحة في اهتمامه بالتفاصيل البصرية، حتى إن بعض المقاطع تبدو أقرب إلى لوحات تشكيلية منها إلى وصف روائي.

وفي الوقت نفسه، حافظ الكاتب على لغة سهلة نسبيًا، بعيدة عن التعقيد، مما يجعل الرواية متاحة لشريحة واسعة من القراء، دون أن تفقد قيمتها الأدبية.

غير أن هذه اللغة تميل أحيانًا إلى الإسهاب، خاصة في الوصف أو في تقديم المعلومات المتعلقة بالتوحّد، وهو ما يجعل بعض الفصول أقرب إلى المقالة التثقيفية منها إلى السرد الروائي.

وربما كان من الأفضل دمج هذه المعلومات داخل الحدث بصورة أكثر عضوية، حتى لا يشعر القارئ بأن الرواية تتوقف لتلقي درسًا علميًا.

ومن الجوانب اللافتة أيضًا حضور الفن في الرواية.

فجواد نحّات، وسوزان فنانة تشكيلية، وحيّان مولع بالرسم والهندسة المعمارية.

هذا الحضور يحمل دلالة عميقة ، فالفن هنا يصبح لغة بديلة للكلام، وجسرًا بين الإنسان والعالم.

ولعل الكاتب أراد أن يقول إن الإنسان المختلف قد يعجز عن التعبير بلغتنا، لكنه يستطيع أن يعبّر بلغة أخرى أكثر صدقًا وجمالًا.

كما نجح الكاتب في الربط بين الفن والهندسة والاختلاف.

فحيّان لا يرى العالم كما يراه الآخرون، ولذلك يبدع تصميمات لا تخطر على أذهانهم.

وهنا تتحول الحالة التي كانت تُعدّ مشكلة في الطفولة إلى مصدر عبقرية في الكهولة، وهي رسالة شديدة الأثر، لأنها تؤكد أن الاختلاف قد يكون أصل الإبداع.

من الناحية الفكرية، تحمل الرواية رسالة إنسانية واضحة، لكنها لا تسقط في المباشرة معظم الوقت.

فهي تدعو إلى قبول الآخر، وإعادة النظر في مفهوم النجاح، وإدراك أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تقاس بقدرته على التشابه مع الآخرين، بل بقدرته على تحقيق ذاته.

وتكمن قوة هذه الرسالة في أنها تأتي من خلال تطور الشخصيات وتجاربها.

ومع ذلك، لا تخلو الرواية من بعض الملاحظات النقدية.

فنجاح حيّان العالمي جاء في بعض المواضع سريعًا ومثاليًا، ولم تتوقف الرواية طويلًا عند العقبات المهنية والاجتماعية التي كان يمكن أن يواجهها في طريقه إلى العالمية.

كما أن بعض الشخصيات الثانوية بقيت في إطار وظيفي يخدم الفكرة الرئيسة دون أن تنال عمقًا نفسيًا مماثلًا للشخصيات الأساسية.

كذلك فإن الكاتب، في حرصه على إيصال رسالته الإنسانية، يجعل بعض الحوارات تميل إلى الوعظ أو التفسير المباشر، خصوصًا في اللقاءات مع الطبيب.

ورغم أهمية هذه المعلومات، فإن السرد الروائي كان سيزداد قوة لو تُرك للقارئ أن يستنتج بعضها من خلال الأحداث نفسها.

أما النهاية، فقد جاءت منسجمة مع روح الرواية، إذ لا تقوم على المفاجأة، بل على اكتمال الفكرة.

فنجاح حيّان ليس نهاية الحكاية بقدر ما هو انتصار للرؤية التي تبنتها الرواية منذ بدايتها ، أن الاختلاف ليس لعنة، بل احتمال آخر للحياة.

كما أن انتقال الاهتمام إلى الطفل الثاني “صفا” يوسع أفق الرواية، ويجعلها لا تتحدث عن فرد واحد، وإنما عن ثقافة كاملة في التعامل مع الإنسان المختلف.

إن القيمة الحقيقية لرواية (مختلف ) لا تكمن فقط في موضوعها، بل في توقيتها أيضًا.

ففي زمن ما زالت فيه النظرة إلى اضطرابات النمو مشوبة بالأحكام المسبقة، تأتي هذه الرواية لتدعو إلى المعرفة بدل الخوف، وإلى الفهم بدل الشفقة، وإلى الاحترام بدل النقد .

وهي بذلك تؤدي دورًا ثقافيًا واجتماعيًا يتجاوز حدود الأدب، دون أن تتخلى عن بنيتها الفنية.

وفي المحصلة، يمكن القول إن الكاتب د. أشرف المسمار قد نجح في تقديم رواية تجمع بين الحس الإنساني والبعد التربوي والوعي النفسي، مع بناء سردي جيد ولغة أدبية عذبة .

ورغم بعض المبالغة في المثالية والإسهاب في بعض المواضع، فإن هذه الملاحظات لا تنتقص من قيمة العمل، بل تؤكد أنه عمل طموح يسعى إلى إحداث أثر في وعي القارئ .

لقد أراد الكاتب أن يقول إن الإنسان قد يكون مختلفًا في طريقة تفكيره، أو إحساسه، أو تواصله، لكن ذلك لا يمنعه من أن يكون عظيمًا..

وربما كانت الرسالة الأعمق للرواية أن المجتمع الحقيقي ليس الذي يصنع أشخاصًا متشابهين، بل الذي يمنح كل إنسان الحق في أن يكون نفسه.

ومن هنا جاءت (مختلف ) رواية تدافع عن الإنسان وتحتفي بالتنوع بوصفه أحد أجمل وجوه الإنسانية، لتترك في نفس القارئ سؤالًا لا ينتهي

كم من العبقريات أخفيناها لأننا لم نفهم اختلافها؟

ليلاس زرزور