
حين يقرأ التاريخ !!
بعد الكثير من البحث والتحقيق والمراجعة، وصلت أخيراً إلى ما يقدّم لي إجابة شافية لفضولي المتسائل عن أصول أهل حرستا شرق دمشق.
في القرن 3 ميلادية \ 5 قبل الهجرة، اندلعت حرب عظيمة بين الزرادشت الساسانيّين وبني تغلب السريان المسيحيّين، أدّت لنزوح كثير من التغالبة وبني ربيعة القيسيّين عن الجزيرة العليا إلى تخوم رومانيّة عربيّة، من المعرّة شمالاً إلى غوطة دمشق جنوباً.
استقرّت مركزيّة سريانية تغلبية في {السيباط} وحوّلتها عن عبادة الشمس إلى المسيحية، وصارت فيها دومة المسيحيّين العرب على الكنيسة السريانية … وهي اليوم {دوما}.
هذه المركزيّة التغلبية جلبت معها العديد من نازحي الجزيرة {بني ربيعة} ووطّنتهم شرق دمشق، وجعلت لهم «الحصور» على عادات الأوقاف المسيحية. فصار يقال {حصرتا الزّيتون} و {حصرتا البصل} و {حصرتا المرج} (القنطرة).
كلمة {حصرتا} ܚܨܪܬܐ أصلها الجذر {ح.ص.ر} ܚܨܪ ويعني «الفناء المسيّج» (المحصور). و {حصرتا} كانت مفردة مستعملة لكلّ شيء مسوّر، فهي الحظيرة، والتّجمّع السّكنيّ المحصّن، والأرض المقتطعة والمحاطة بسياج لحماية محاصيلها … وهذا الأخير سبب تسمية {حرستا}، أو الحرستات.
سمّيت {حصرتا} بسبب طبيعة التّنظيم الزّراعيّ الصّارم في الغوطة الشّرقية، واعتماد نظام المستوطنات الزّراعيّة المتخصّصة والمغلقة على ذاتها لحفظ ملكيّاتها وحقوق المنفعة فيها.
تغيّر اللّفظ لاحقاً من {حصرتا} إلى {حرستا} نتيجة ظاهرة القلب المكانيّ الشّائعة جدّاً في اللّغات العروبيّة عموماً والآراميّة خصوصاً. إذ يتبادل في هذه الظّاهرة حرفان متقاربان في الكلمة موقعيهما لتسهيل النّطق على ألسنة العوامّ. تحوّلت الصّاد إلى سين، وتبادلت السّين والرّاء مكانيهما بمرور الزّمن، ليصبح اللّفظ الشّائع والمستقرّ هو {حرستا} بدلاً من {حصرتا}.
في القرنين 5 و 6 م \ 3 و 1 قبل الهجرة، وبنتيجة حرب البسوس، توجّه المزيد من فروع العرب المسيحيّين الأرثوذكس المنتمين إلى {بني ربيعة بن تميم} نحو غوطة دمشق الشّرقيّة، واستقرّوا في البلدة التي كان اسمها {السّيباط} قبل استقرار التّغالبة فيها. ووزّعتهم رئاسة الدومة على قرى «الحصور».
بشرة السكّان شديدة البياض، واللّهجة ذات الصّبغة الصّوتيّة المختلفة عن الدمشقية، تقودنا إلى سمات أهل الجزيرة العرب. فأغلب أهل حرستا من التّغالبة الّذين استقرّوا في {السّيباط} (دوما)، والقبائل الرّبيعيّة الّتي قدمت من شمال الجزيرة العليا. واحتفظت هذه القبائل، بسبب عزلتها النّسبيّة في بيئاتها الزّراعيّة الجديدة، بملامحها الشّكليّة وخصائصها اللّغويّة التّي تميّزها عن جيرانها.
قبل استيطان القبائل الرّبيعيّة حرستا كان سكّان المنطقة من أصول غسّانيّة وكلبيّة يشتغلون في ممارسة الزّراعة، وتمازجوا لاحقاً مع الوافدين الجدد دون حدوث تهجير. اللّهجة الحرستاويّة بحدّ ذاتها تحتفظ ببنية إيقاعيّة سريانيّة أعمق من لهجات دمشق المجاورة (ذات الأصل الطائي النبطي)، وتلفظ بعض الصّوائت بطريقة تقترب من لهجات الجزيرة العليا.
في القرن 12 م \ 6 هـ يذكر {مار ميخائيل الأول} «بطريرك أنطاكية» التغالبة أمراء دومة السريان في غوطة دمشق ويحكي في نفوذهم الواسع في قراهم الـ «حصرتا»، ويقول أنّها نفسها {حرستا}، ويشرح كيف تركت لهم الدولة أملاكهم وأديرتهم ونظمهم الإدارية سرياً على الاتّفاق القديم المعقود ما بين الخليفة {عمر بن الخطّاب} وإمارة تغلب في الجزيرة. ما يربط رئاسة تغالبة شرق دمشق مباشرة بديار تغلب في الرقّة.
تحوّل أغلب أهل دوما وكلّ الحرستات عن المسيحية إلى الإسلام في القرن 12 ميلادية \ 6 هجرية.
كما تحوّل أغلب أهل جوبر عن اليهودية إلى الإسلام بعد عقود قليلة، في القرن 13 ميلادية \ 7 هجرية.
تُظهر دفاتر الطّابو العثمانيّة وسجلّات الأوقاف أنّ مساحات زراعيّة واسعة من الحرستات الثلاث كانت «محبّسة» أوقاف لمدارس ومؤسّسات كبرى. وهذا النّظام الصّارم في الإدارة الزّراعيّة حوّل {حرستا} (بمختلف تخصّصاتها) إلى مجتمعات مغلقة تعتمد على التّزاوج الدّاخليّ للحفاظ على حقّ المنفعة الزّراعيّة المتوارث عبر الأجيال.
ما يعني أنّ تحوّل أهل المنطقة إلى الإسلام لم يغيّر النظام الوقفي، نظام الـ «حصرتا»، ولا هويّة أهله. بل غيّر دين هولاء المنتفعين فقط. وهذه العزلة الزّراعيّة الطّويلة هي السّبب المباشر الّذي حفظ السّمات الشّكليّة المتمثّلة بالبشرة البيضاء، واللّهجة المميّزة كبسولة زمنيّة، ومنع ذوبانهم الدّيموغرافيّ في موجات الهجرة المتلاحقة الّتي غيّرت سكّان دمشق.
عموماً، عرفت دمشق تاريخيّاً 3 مستوطنات زراعيّة حملت اسم «حرستا»:
– التّجمّع الأوّل والأشهر هو «حرستا الزّيتون»، وهي مدينة {حرستا} الحاليّة القائمة في الغوطة الشّرقية. واختصّت بالزراعات المعمّرة.
– التّجمّع الثاني هو «حرستا البصل»، في الموقع الّذي يشغله اليوم حيّ {أبو رمّانة} ومحيطه وسط العاصمة. وكانت قرية زراعيّة اختصّت بالزراعات الحوليّة.
– التّجمّع الثالث هو «حرستا القنطرة» (حرستا المرج)، واختصّت بزراعة القمح والشعير (تغلبيّة) والمشمش والجوز (كلبيّة) وتربية المواشي (ربيعيّة) في مراعيها الخصبة.
بالمناسبة، في الأدب السريانيّ القديم (أي المسيحيّ العربيّ) كان للزيتون والبصل كليهم نفس القيمة المعنوية العالية.
_
#مؤنس_بخاري
#أحياء_دمشق
#تاريخ_العرب




