Views: 8
#نفقُ #الفرح
#ومنعطفُ #الرؤية:
قراءةٌ تأويليّة في شعرِ أ. منذرِ يحيى عيسى
#النص:
نفق الفرح
مساحة الزمن الملتبسة
صارت أضيق مما يُرى…
وأرى
عشوائية جدران نامية كاللبلاب
تسدّ معابر الفضاء
وتخلق شغباً يحاصر الروح
وأنا أبحث عن سراب الإشارة
لا أجد
إلا نبيذ الكروم
نفقاً مغلقاً بحرير الرغبة
يفضي إلى عوالم
قد يزهر فيها الفرح
2.12.2010
#مدخلٌ #رؤيويٌّ #منهجيّ
إن نصّ /نفق الفرح/يقارب بكينونته بنيةً لغويّةً مغلقةً على قلقها مفتوحةً على تأويلها بحيث لا يتشكّل المعنى على أنه نتيجةً جاهزة وإنّما كإنعكاس يتولّد من احتكاك الرؤية بالزمن
ومن تصادم الداخل مع الامتداد المكانيّ
والمنهج المعتمد في هذه القراءة يقوم على تأويليّة معرفيّة استطيقيّة تستثمر منجزات التفكير المعاصر في فهم تشكّل الوعي داخل النصّ دون الارتهان لمقولات جاهزة مع الاستفادة من المنظور الإبستمولوجي الجمالي الذي يقرأ المعرفة من منطلق تجربة حسّية ولغويّة متداخلة وليست معطى ثابتاً
وإذا كان هذا المنهج يتأسّس على القراءة التأويليّة
فإنّه يتقاطع كذلك مع المنظور السيميائي في تحليل العلامة داخل بنيتها السياقيّة ومع الحسّ التفكيكي في مساءلة المركز الدلالي بحيث لا نغوص بالنصّ على أساس أنه خطاباً مغلقاً على يقينٍ معنويّ
إنما كشبكة علاقات يتولّد فيها المعنى عبر الانزياح والاختلاف وتأجيل الدلالة
كما تستأنس القراءة بمفاهيم البنية العميقة والاشتغال الدالي وشعريّة البياض
حين يصبح الفراغ عنصراً منتجاً للمعنى يوارب عن صمته
هذا المدخل ينطلق من ضرورة عنونة الدراسة وفق مقترحات القراءة الحديثة حيث تصبح العناوين مفاتيح دلاليّة دون أن تكون شروحاً خارجيّة
#عنونة #الدراسة
(نفق الفرح) : تشكّلات الوعي في فضاءٍ لغويٍّ مأزوم
#أوّلاً : الزمن بوصفه مساحةً مأزومة
(مساحة الزمن الملتبسة
صارت أضيق ممّا يُرى)
يُفتتح النصّ بإعادة تعريف الزمن بعيداً عن كونه امتداداً خطّيّاً وإنّما كحيّزٍ قابلٍ للانكماش
فالتوصيل الدلالي هنا لا يتعلّق بالقياس الفيزيائي لكن بتجربة الوعي حين يفقد قدرته على الاتّساع
ونلحظ أن الزمن في هذا المقطع يتحوّل إلى حالة إدراكيّة حيث الالتباس لا يُنتج غموضه الشكليّ
وإنّما يعكس اهتزاز العلاقة بين الذات والعالم
فالضيق لا يُرى!
أي أنّ الإدراك البصري عاجز عن احتواء التحوّل ما يشير إلى انتقال النصّ من الحسّ الظاهر إلى الإحساس الداخلي ويمكن النظر إلى هذا التشكيل الزمني كحصيلة تفكيكية للزمن الخطيّ وإعادة بنائه ضمن أفقٍ وجوديّ
بحيث يتحوّل الامتداد إلى تجربة ويتبدّل القياس إلى إحساس في انزياحٍ إدراكيّ يعيد تشكيل علاقة الوعي بالزمن
#ثانياً : الرؤية مقابل الإدراك
(وأرى
عشوائيّة جدران نامية كاللبلاب)
نجد أن الفعل (أرى) لا يعبّر عن مشاهدة حياديّة هنا
لكنه يتبدى كفعل وعيٍ يقاوم التشوّش
فالجدران وفق السياق لم تكن عناصر معمارية وإنّما أنظمة مانعة تنمو بلا انتظام
مثل اللبلاب ذلك النبات الذي يتكاثر بالتسلّق والاختناق
والاستعارة تكشف عن بنية قمعيّة غير مرئيّة المصدر ذات قدرة على التمدّد الصامت فتغلق الفضاء من داخله
وهذا الاشتغال على الرؤية يُحيل إلى انتقال الذات من موقع الراصد إلى موقع المنخرط في شبكة العلامات بحيث لا تعود الرؤية مراقبة خارجيّة بل ممارسة وجوديّة داخل البنية النصيّة ذاتها
#ثالثاً : الفضاء بوصفه تجربة محاصرة
(تسدّ معابر الفضاء
وتخلق شغباً يحاصر الروح)
فالفضاء ضمن السياق يفقد صفته كحيّز للحرّيّة ويتحوّل إلى شبكة إغلاق المعابر المسدودة التي تشير إلى انسداد إمكانات العبور ليس بالمكان فقط إنما أيضاً في المعنى
والشغب هنا لا يتّخذ طابع الضجيج بل يعتمده الناص كطابع للاضطراب الداخلي بصورة تتحوّل الروح من خلالها إلى كيان محاصر داخل ذاته
ويمكن قراءة هذا الانسداد ضمن ما يمكن تسميته بتعطّل الأفق التأويلي
وِفقَ ما يُعلَّق إمكان العبور ويُستبدل الامتداد بالحصر فيتحوّل الفضاء إلى استعارة وجوديّة لانسداد الدلالة وذلك يحسب لشاعرنا العميق
#رابعاً : البحث عن الإشارة
(وأنا أبحث عن سراب الإشارة
لا أجد)
نرى أن الإشارة في هذا السياق ليست علامة دالّة بل وعداً بالاتّجاه
فوصفها بالسراب يضع المتلقي أمام وعيٍ يدرك وهم الخلاص مع استمرار البحث عنه
ونجد أن الجملة القصيرة (لا أجد) تقطع تدفّق اللغة وتعمل كفراغ دلاليّ يؤكّد فشل التعيين ويترك المعنى معلّقاً وهذا القطع يندرج ضمن اقتصاد الحذف بحيث تتكثّف الدلالة في فجوتها ويصبح الغياب عنصراً فاعلاً في إنتاج المعنى
#خامساً : التحوّل الرمزي
/ إلّا نبيذ الكروم
نفقاً مغلقاً بحرير الرغبة/
حين الانتقال إلى /نبيذ الكروم/ نلمسه يمثّل انزياحاً من الجفاف إلى السيولة
وأيضاً من الانسداد للإغواء فالنبيذ يحمل دلالة التحوّل النضج- والانفصال عن البراءة الأولى
والنفق وقد أُغلق بحرير الرغبة يجمع بين القسوة والنعومة وبين العبور والمنع في صورة رائعة مركّبة تعكس تناقض التجربة الإنسانيّة
هذا التناوب بين الصلابة والليونة يكشف عن بنية جدليّة تقوم على التضادّ ويمنح الصورة كثافتها الاستعاريّة حين تتحوّل الرغبة إلى قوّة مزدوجة: دافعة ومانعة على حد سواء
#سادساً : أفق الاحتمال
(يفضي إلى عوالم
قد يزهر فيها الفرح)
إن الفرح من خلال الصورة لا يأتي يقيناً بل احتمالاً
ونرصد أن الفعل (قد) يحافظ على توتّر النصّ ويمنع الانزلاق نحو الخاتمة المريحة
وأما عن الإزهار هنا استعارة زمنيّة تشير إلى إمكان التحقّق المؤجّل
بحيث الفرح لم يكن حالة لكنه نتيجة مسار
وبهذا يتأسّس ما يمكن تسميته بجماليّة الاحتمال فالشاعر لديه الاقتدار التأويلي في انجاز الصورة بعمقها المجازي وهو الشاعر والناقد العميق
لذلك نستدل بأن المعنى يظلّ في حالة تشكّل مستمرّ ويتحوّل النصّ إلى أفقٍ مفتوح على قراءة لا نهائيّة
يُنجز نصّ (نفق الفرح) وحدته عبر اقتصاد لغويّ دقيق وصور تتنامى من الداخل دون افتعال
فاللغة مشدودة مشبعة بالإيحاء قادرة على حمل التوتّر دون انكسار
ووحدة النصّ تجلّت في تماسك الرؤية وفي انتقال الدلالة من الزمن إلى الفضاء ثم إلى الرغبة وصولاً
إلى أفق الاحتمال
فالقصيدة لا تقدّم إجابات إنما تؤسّس لقراءة مستمرّة حيث يصبح المعنى فعل مشاركة بين النصّ والمتلقي ضمن تجربة جماليّة معرفيّة عالية الكثافة
إنّ نصّ (نفق الفرح) لا يصدر عن تجربةٍ عابرة بل عن وعيٍ شعريٍّ ونقديٍّ ناضج يملك أدواته ويُحسن إدارتها بهدوء القامات الكبيرة
فاللغة ضمن سياقات المبنى العام لم تكن انفعالية طارئة إنما خلاصة اشتغال طويل على الرؤية وعلى الاقتصاد التعبيري وعلى بناء الدلالة من داخلها لا من زوائدها ويحسب للنصّ أنّه ينهض على معرفةٍ عميقة بجوهر الكتابة الحديثة دون ادّعاء
أو تزويق وهو ما يشي بحضور صاحبِه بوصفه قامة نقديّة وشعريّة سامقة وفاعلاً ثقافيّاً مؤثّراً لا على مستوى النصّ وحده لكن على مستوى المشهد الثقافي المؤسّسي أيضاً
نصٌّ كهذا يؤكّد أنّ صاحبه يكتب من موقع الخبرة
ومن أفقٍ معرفيٍّ راسخ ويمنح القصيدة شرعيّتها كبصمة لفعل وعيٍ وجمالي معاً
بورك القلم
#مرشدة #جاويش




























