Views: 18
قراءةٌ نقديّةٌ لقصيدةِ “مَسَالِكُ التِّيه” للشّاعرِ المبدعِ “جورج عازار”

& بقلم ليلى صليبي
- العنوانُ والموضوعُ:
العنوانُ “مَسَالِكُ التِّيه” يفتحُ مباشرةً أفقَ الر ّحلةِ الداخليّةِ، حيثُ التيهِ ليسَ مجرّدَ ضياعٍ مكانيٍّ ، بل حالةً وجوديّةً ونفسيّةً وفلسفيّةً. يتجلّى الموضوعُ في صراعِ الذّاتِ مع الحقيقةِ، الزّمنِ، الذّاكرةِ، والفراغِ. العنوانُ يعِدُ القارئَ بمسارٍ شعوريٍّ متعرّجٍ بين الواقعِ والرّموزِ، بين الحيرةِ والتّأمُّلِ العميقِ.
- البنيةُ والأسلوبُ:
- النّسقُ الحرُّ والمقطعيّةُ:
القصيدةُ مكتوبةٌ بنثرٍ شعريٍّ حرٍّ ،مع جملٍ قصيرةٍ وفواصلَ متقطعةٍ، تعكسُ الارتباكَ النّفسيَّ والضّياعَ الدّاخليَّ للشّاعرِ. التقطيعُ هنا يعكسُ تدفّقَ الوعي ويتيحُ للقارئِ الإبحارَ في نصٍّ متعدِّدِ الأبعادِ.
- الإيقاعُ الدّاخليُّ والتّكرارُ:
التّكرارُ الصّوتي واللّفظي لكلماتٍ مثل “اليوم”، “غداً”، “كُلَّما”، و”تُزهِر” يخلقُ إيقاعًا متذبذبًا، يحاكي دوامةَ الفكرِ والتّساؤُلِ، ويعكسُ التّجربةَ الشّعوريّةَ للتيهِ.
- الصّورُ الفنّيةُ والرّمزيّةُ:
القصيدةُ غنيّةٌ بالصّورِ والرّموزِ التي تدمجُ الطّبيعةَ بالحالةِ النّفسيّةِ:
- الطّبيعةُ والرّموزُ الموسميّةُ:
- “مثلَ سنابل الحصاد” → دورةُ الحياةِ والنّضجِ والفناءِ.
- “أسراب السُنونو” → الهجرةُ، الحريةُ، والرغبةُ في التّحرّرِ الروحيّ.
- العدمُ والفراغُ:
- “العَدَمُ بُقعَةُ زَيتٍ في البحر” → تصويرٌ بصريٌّ للفراغِ واللاّوجودِ، مع إحساسٍ بالتّهدُّدِ والانكسارِ.
- الألمُ والوحدةُ:
- “روحي مُنهكَة”، “وحيدٌ أنا” → انعكاسُ الصّراعِ النّفسيّ والانعزالِ العميقِ.
- الرّموزُ الرّوحيّةُ والميتافيزيقيةُ:
- “ترنيمة صلاة”، “مغاطس الغيب” → البحثُ عن المعنى والخلاصِ، والالتقاءِ بين الرّوحِ والوجودِ الغامضِ.
- الزّمنُ والذّاكرةُ:
- “جيوبي المُخَرَّقة”، “كل الذكريات من جيوبي تُنسكب” → تصويرٌ للذّاكرةِ كوعاءٍ مهترئٍ، يعكسُ هشاشةَ الذّاتِ أمامَ الزّمنِ والذّكرياتِ.
- الموضوعاتُ الفكريّةُ:
- الوجوديّةُ والاغترابُ:
النصُّ يطرحُ أسئلةً وجوديّةً عميقةً:
- “أين أكون حين لا أكون؟”
- “طيف أنا أم سراب؟”
ممّا يجعلُ النصَّ تجربةً فلسفيّةً شعوريّةً، تعكس ُتساؤلَ الإنسانِ عن ذاتهِ ومصيرِه.
- الصراعُ النّفسيُّ الدّاخليُّ:
- الشّاعرُ يبرزُ إرهاقَ النّفسِ أمامَ الأسئلةِ بلا إجابةٍ، والبحثَ المستمرَّ عن ملاذٍ آمنٍ.
- الحياةُ والموتُ:
- “نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتّى الْمَوْتِ” → إدراكُ هشاشةِ الحياةِ والتقاطعِ بين الحزنِ والوعي بالموتِ، يعكسُ وعيَ الشّاعرِ بالقدرِ والوجودِ.
- اللّغةُ والأسلوبُ:
- لغةٌ مكثّفةٌ وشفافةٌ: تعتمدُ على الاستعاراتِ والصّورِ العميقةِ.
- تقطيعُ الجملِ والفواصلِ: يعكسُ التيهَ النّفسيَّ ويتيحُ للقارئِ التّفاعلَ مع النصِّ تأمليًّا.
- التّكرارُ الرّمزيُّ: يعكسُ دورةَ الحياةِ والحيرةَ الدّاخليّةَ للشّاعرِ، مع إبرازِ الثيماتِ الكبرى مثلَ الذاكرةِ، الفراغِ، والأسئلةِ الوجوديّةِ.
- القيمةُ الفنيةُ
- القصيدةُ تجربةٌ شعريّةٌ تأمليّةٌ وجوديّةٌ متكاملةٌ، تجمعُ بين:
- الصّورِ الطّبيعيّةِ والرّموزِ الروحيّةِ.
- التّعبيرُ النّفسي العميقُ عن الألمِ والوحدةِ.
- اللغةُ المكثفةُ التي تحاكي تيهَ النّفسِ بين الأسئلةِ والمعنى.
- قدرةُ الشّاعرِ على مزجِ الصّراعِ الداخليّ مع الجمالِ التّصويريّ تجعلُ النصَّ غنيًّا ومتعدِّدَ الطّبقاتٍ للقراءةِ والتّأمّلِ.
- الخاتمةُ النّقديّةُ
“مَسَالِكُ التِّيه” هي رحلةٌ داخليّةٌ ممتدةٌ، تعكسُ صراعَ الرّوحِ مع الفراغِ والأسئلةِ الكبرى، وتقدّمُ تجربةً شعريّةً متفردةً تجمعُ بين الفلسفةِ، الوجدانِ، واللّغةِ المكثّفةِ. النصُّ يتركُ أثرًا طويلًا في ذهنِ القارئ،ِ ويثبتُ قدرةَ الشّاعرِ على تجسيدِ التّيهِ النّفسيّ والفكريّ في صورٍ شعريّةٍ غنيّةٍ .
بكلِّ امتنانٍ، أتقدّمُ بالشكرِ والتّقديرِ للشّاعرِ “جورج عازار ” على هذه القصيدةِ الثّريّةِ التي تنبضُ بعمقٍ إنسانيٍّ وفكريٍّ لافتٍ.
لقد حملتْنا مسالكُ التيهِ في رحلةٍ داخليّةٍ مكثفةٍ، حيثُ امتزجَ الوجعُ بالجمالِ، والتساؤلُ بالرّجاءِ ، واللّغةُ بالدّهشةِ.
قصيدةٌ تؤكّدُ أنَّ الشّعرَ حين يُكتبُ بصدقٍ، يصبحُ مرآةً للرّوحِ، ومساحةً للتأملِ، وأثرًا لا يزولُ.
كلُّ الشّكرِ لهذا العطاءِ الشّعريِّ النّاضجِ، ودامَ القلمُ مشعًّا بهذا الوهجِ.
كلُّ التّحايا والتّقدير.🌹
&&& وهاكم نص القصيدة
مَسَالِكُ التِّيه
تُسائِلُني الحَقيقةُ
تَجيءُ اليَومَ وترحَلُ غَداً
كَأنَّكَ ما جِئتَ بالأَمسِ
ولا كَانَ لَكَ أثرٌ
صُرَاخٌ في القُدومِ
وعَويلٌ في الرَّحيلِ
مِثلَ سَنابلَ الحَصادِ
كُلَّمَا أينَعتْ
و الحُلُمُ والبُلوغُ أدرَكَها
على المَفارِقِ يَنتظرُها
ليَجتثَّ الرِّقابَ
نَصلُ المَناجِلِ
قَرٌّ وحَرٌّ
وسَلامُ النُّفوسِ
مثلَ أسرابِ السُنونو
بَعيداً يُهاجِرُ
والعَدَمُ بُقعَةُ زَيتٍ
في البَحرِ تَطفو
تأكُلُ المَوجَ
وتَتركُ في المَدى
جُيوشَ الزَّبدِ
يَقتُلُني فَراغُ الأَسئلةِ
والرُّدودُ قَوسُ قَزحٍ
تارةً برأسِها تَطلُّ
وتارةً عَنّي تَغيبُ
رُوحي مُنهكَةٌ
تَبحثُ عن تُرابٍ
وعَن بَقايا حَجرٍ
وتَرنيمةِ صَلاةٍ
والدُّجنَةُ الهَامدةُ
تَرومُ آخرَ النَّفقِ
طَيفٌ أنا
أم ظِلُّ نَجمَةٍ
أم سَرابٌ في المَجاهلِ يَتبدَّدُ
تقودُني دُرُوبُ التِّيهِ
وكُلُّ الرُّموزِ مُضمَرَةٌ
والإيماءاتُ ثَعابينُ تَتلَوى
وحيدٌ أنا
والخياراتُ تَموتُ
تَفِرُّ ذَاكرتي
وعلى الطُّرقَاتِ
كُلُّ الذِّكرياتِ
من جُيوبي المُخَرَّقةِ تَنسَكِبُ
جُيوشُ العَبثِ تُحاصِرُ صُوري العَتيقةَ
وسَتائِرُ القَلقِ رُويداً رُويداً
تُغلقُ المَسارَاتِ
تَشيبُ الحِكاياتُ
ويَصيرُ الدَّمعُ بَحراً
وآهاتُ النَّفسِ في الجَوى
تَعتَمِلُ وتَتَّقِدُ

“نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ
. اُمْكُثُوا ههُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي”
كُلَّما أَرتَقي إلى الأَوجِ
نَحوَ الأعمَاقِ أَندفِعُ
تُرهِقُني الأُحجِياتُ
مثلَ عَرَّافةٍ
أَحمِلُ أقدَاري
حَولَ كَفِّي
وأمضي وسْطَ دَوامةِ الأِعصَارِ
أَلوكُ جِراحاتي
وسَقَمي في بَوصِلةِ الزَّمانِ يَتبدَّى
كُلُّ الذَرائعِ
في مَغاطسِ الغَيبِ تَستَحِمُّ
والدَيجورُ
مَاردٌ في وَجهِ السُّطوعِ
أينَ أكونُ
حينَ لا أكونُ؟
وفي أيِّ الكُهوفِ تَختبئُ
ذَاتي الَّتي هَجَعَتْ
حين أثقلَتْ كَاهِلَها
هامةُ الأَكَمَةِ
وحين واقَعَتْ أَحلَامي
في لَيلَةٍ شُتويةٍ
حُشودَ المُزنِ
فتساقَطَتْ نُدَفُ الشُّجُونِ
فَوقَ الوِديانِ القَصيَّةِ
في الصَّباحاتِ الحَالكةِ
لِتَرويَ ظَمَأَ الوَردِ
فَتَلُوحُ البَراعِمُ
المُتواريةُ مِنذُ دُهورٍ
في تِلكَ الأَغوارِ العَميقةِ
ومن جَديدٍ تُزهِرُ
مثلَ الفييقِ
وعلى وجناتِها
قبلاتُ النَّدى تلتمعُ
بقلمي جورج عازار – شاعر سوري سويدي
&&اللوحة بريشة الفنان صباح داؤود- العراق


































