Views: 2
#أُفُق #الحجر #ودورة #الدلالة:
قراءة فلسفية حداثية في نص جِنان البحر
د. أمين جياد – Ameen Giad
#مقدمة #منهجية:
مدخل رؤيوي إلى أفق القراءة:
إن قصيدة /جِنان البحر/تنهض على بنية تعبيرية مكثفة تخفي تحت ظاهرها اللغوي نظاماً دلالياً معقداً لذلك فهي تستدعي قارئاً لديه ذاك الفضول وعدم الإكتفاء باستقبال المعنى لكن إعادة إنتاجه عبر مسار تأويلي تراكمي يجمع بين الإشارة والوظيفية وبين الرمز والحركة
لذلك من هذا المنطلق تتخذ هذه الدراسة من النهج الذرائعي ومن المقاربة الإبستمولوجية ومن الأفق السيميائي مسارات تحليلية متكاملة تسعى إلى فهم كيف تنتج القصيدة معناها عبر فعلها اللغوي بعيداً عن محتواها الظاهري فحسب
إن القراءة هنا تجانب النص باعتباره وحدة مغلقة على ذاتها إنما تؤازره كبؤرة دلالية تتفعل داخل شبكة من العلاقات المتشابكة فنراها بين الذات والشيء
وبين المقدس والمخيف
وبين التثبيت والاحتراق
ومن ثم فإن المنهج المعتمد لم يكن ساعياً إلى استخراج
/ معنى نهائي/ لكنه يسعى إلى تتبع طرق تشكل المعنى داخل البنية اللغوية وكيف تمارس العلامات فعلها على المتلقي كونه شريكاً في الإنتاج أي إلغاء دوره كمستهلك فقط للرسالة
أولاً : #العنونة بوصفها عتبة دلالية حديثة:
نرى أن العنونة/ جِنان البحر/منذ توغلنا بمعناها هي تحمل توترها الدلالي الذي يؤسس منذ اللحظة الأولى لثنائية مفارقة: ف(الجنان) بما توحي به من الامتلاء والخصب والمأوى في مقابل (البحر) بما يستدعيه من اتساع وغموض ولا يقين
فهذه المجاورة لم تكن توصيفية لكنها إنشائية فهي تنتج أفق توقع يضع القارئ أمام فكرة أن المأوى لا يوجد في الثبات إنما في الحركة وأن الخصب لا ينبت إلا من حافة الخطر
ولو تمعنا من منظور سيميائي حديث فإن العنونة تعمل بمنزلتها ك/علامة كلية/ تختزل شبكة العلاقات اللاحقة في النص:
الحجر- الصدر- الجبل-البحر- الظلمات- الاحتراق-
كلها عناصر تدور داخل فلك هذا التوتر الأولي بين الأمان والانكشاف
ثانياً : #الحجر بوصفه علامة وظيفية لا مادية:
إن /الحجر/ يحتل موقع العلامة المركزية في النص
فلم يكن توظيفه منطلقاً باعتباره شيئاً صامتاً فتوظيفه كان يعتمد على كونه فاعلاً دلالياً
فهو يتحرك بين وظائف متعددة:
#الحجر المعلق على الصدر:
كما (اعلقها على صدري
لتنير روحي)
هنا يتحول إلى بوصلة داخلية علامة تنير /الروح/ أي أنه لا يشتغل في الخارج لكن ينغمس في الحيز الذاتي حيث يعاد تعريف القدسية من حيث هي تجربة وليست بميراث
#الحجر على حافة الجبل:
في (وتلك الأحجارُ علىٰ حافةِ الجبلِ)
نلمس أنه يغدو عنصر تثبيت بعيداً عن الصلابة لأنه
/ يمسك/ الذات
فهنا ينقلب الفاعل والمفعول: الذات لا تمسك الحجر بل إن الحجر هو الذي يمسك الذات في إشارة كلية إلى أن الهوية تبنى من الخارج كما من الداخل
#الحجر في أخاديد البحار:
(وتلك الأحجارُ بين أخاديد البحار)
وهنا يصير مصدر خوف ليس بسبب غيابه عن الضوء فالناص هنا كان يعني تأويله بقصدية عالية الرؤيا
فلقد أحاله لسببية أخرى وهي قابليته للتحول إلى نار فالعلامة هنا تراكم دلالاتها عبر الانتقال من الإنارة إلى التثبيت ومن ثم إلى الاحتراق
ففي هذا المسار لا يقدم النص الحجر كمسار للرمز الثابت إنما ضمن أفق / علامة ذرائعية/ تتغير وظيفتها بحسب موقعها في البنية وبحسب علاقتها بالذات المتكلمة
ثالثًا: #الذات بوصفها حيزاً إبستمولوجياً:
نجد هنا أن جملة (هذه الأحجار المقدسة لي)
تفصح عن انتقال مركز القدسية من المجال العام إلى المجال الذاتي
إذ أن المعرفة هنا لا تستمد من سلطة خارجية بل من علاقة خاصة بين الذات والعلامة
وهذا الانتقال يؤسس لرؤية معرفية ترى أن المعنى لا يعطى لكنه ينتج عبر التجربة
فالذات في النص لم تكن متكلماً مهيمناً بقدر ماهي كائناً معرضاً للفعل: تمسك- تثبت- تخاف-
إنها ذات تعرف نفسها من خلال ما يمارس عليها لا فقط من خلال ما تمارسه وهو ما يضفي على النص بعده النقدي الذي يعيد مساءلة مفهوم السيطرة في العلاقة بين الإنسان والعالم
رابعًا: #الجبل والبحر: فضاءان وظيفيان غير طبيعيان
إذ أن الجبل والبحر يظهران ك (فضاءين دلاليين) في سياق لايتواكبان من خلاله كمعنين لمشاهد طبيعية
ليحمل كل منهما وظيفة في بنية المعنى
#فالجبل: فضاء التثبيت والحد:
أي إنه المكان الذي تختبر فيه فكرة القمة باعتبارها حالة تماس دائم مع السقوط لا كمقام للانتصار
#البحر: فضاء السيولة والانمحاء والأخاديد التي تحتضن الحجر تحيل إلى عمق لا يرى إلى معرفة لا تنال إلا عبر الخوف
وبهذا إذاً يتحول الفضاء من إطار خارجي إلى عنصر بنائي في إنتاج الدلالة
خامساً : #الضوء #والظلمات اقتصاد الرؤية في النص
تقابل بل تقارب القصيدة بين (الإنارة) و(الظلمات) بإطار يقدمهما كحالتين معرفيتين ونهج يبعدهما عن كونهما حالتين بصريتين
فالضوء هنا يحيل إلى الفهم إلى القابلية على التسمية بينما الظلمات تحيل إلى منطقة يتوقف فيها التحديد وتبدأ فيها التجربة المفتوحة
فالخوف من الحجر في الظلمات ليس خوفاً من الشيء ذاته إنما من احتمالية تحوله من قابليته لأن ينتج معنى جديداً خارج سيطرة الذات
سادساً : #الاحتراق بوصفه قمة الدورة الدلالية:
يختتم النص بمشهد الاحتراق بتوظيفه كذروة في مسار التحول ويبعده عن المعنى الحقيقي له ككينونة للنهاية فالعلامة التي بدأت بالإنارة مرت بالتثبيت
تنتهي إلى التدمير هذا التسلسل لا يحمل طابعاً تشاؤمياً بقدر ما يجسد رؤية ترى أن كل معنى يحمل في داخله إمكانية نقضه
إذاً فالاحتراق هنا ليس محواً هو إعادة ضبط لشروط القراءة بعده فالحجر لايعود هو ذاته ولا تعود الذات هي ذاتها
سابعاً : #البنية اللغوية ووحدة النسق:
تتسم لغة الدكتور أمين في قصيدته بالاقتصاد والتركيز حيث لا تتمظهر المفردة بسياقتها كحشو إنما كعقدة في شبكة من العلاقات والتكرار البنائي لعبارة (وتلك الأحجار) لا يشتغل على مستوى الإيقاع فقط بل على مستوى التنظيم الدلالي إذ يقسم النص إلى مشاهد وظيفية تراكم المعنى تدريجياً
هذه الوحدة في النسق تعزز من إحساس المتلقي بأن النص يتحرك ككل واحد
محايداً الإنطلاقة كمجموعة جمل متجاورة
لذلك نرى أن النص (جنان البحر) يقدم نصاً يشتغل على حافة التجربة حيث لا تقدم الدلالة ككيان لإجابة
لكنها تتبدى كدعوة إلى المشاركة في إنتاجها
إن قوة القصيدة كانت تكمن في كثافة صورها ولكن تفوقت بقدرتها على بناء وحدة داخلية تجعل كل عنصر فيها مرتبطاً بغيره داخل دورة دلالية محكمة
فاللغة هنا لم تكن وسيلة نقل لكنها حيز اختبار تمارس فيه العلامات فعلها على الذات والمتلقي معاً ومن هذا المنظور يغدو النص كياناً حياً مفتوحاً على قراءات لا تنتهي لأنه يؤسس معناه في لحظة القراءة ذاتها وليس قبلها
ولا تكتمل هذه القراءة إلا بالإشارة إلى الحضور الإبداعي للدكتورالشاعر والناقد باعتباره ذاتاً مزدوجة الوعي تمسك بالأداة المفهومية بصرامة الباحث وتفلتها في آن داخل أفق اللغة بصفتها كينونة حية تستنشق الإشارة والحدس معاً
إن لغته الصوفية العميقة لا تشتغل على الترف البلاغي فقط إنما تنجاوزه باعتمادها على كشف المستور في بنية النص وعلى ملامسة ما يتوارى خلف العبارة من توتر معرفي وتجربة وجودية
فهو في مقاربته لا يقف عند تخوم الدلالة الظاهرة
بل متخطياً بالنفاذ إلى طبقاتها السفلى بحيث تتجاور العلامة مع أثرها والمعنى مع احتماله ليعيد للقراءة طابعها الطقسي بكونها فعل مشاركة بعيدة عن فعل الاستهلاك
ومن هنا تغدو الرؤية الصوفية أداة معرفية تعيد ترتيب العلاقة بين القارئ والنص على أساس الكشف غير معتمدة على التفسير بحد ذاته
وعلى أساس المعايشة مغايرة للحكم فقط
إن هذا التزاوج بين الحس الإبداعي والصرامة المنهجية يمنح القراءة عمقها الخاص ويجعل من اللغة جسراً بين التجربة والوعي وبين النص ومصيره التأويلي المفتوح في وحدة تكرس النقد بوصفه فعل معرفة وجمال على حد سواء أمام النص المتميز واللافت
دكتور أمين جياد مبدع ونيف
انجاز #مرشدة #جاويش


































