Views: 7
#البنية #العلاماتية #وتحولات #الهوية #الجمعية #في #الشعر #العربي #الحديث
دراسة سيميائية ذرائعية في نص «اليعربيات» للشاعر العراقي القدير فائز حداد
#النص:
اليعربياتُ
أبعدَ مزايا خدّكِ المهموز بدمع الوردة
وعصف زفيري البارح الندى
يستأنف أنفكِ طلعا مستعارا ؟!
أبعدَ شفا حلمة التوبة..أستقيلُ عن زمزم عطرها؟
فيا لسؤدد السواد في تيجان الرغبات
كبدائل أثاث الحب.. نؤثثُ للهباء!!
آآآآآآآآآآآهٍ ..
لا بديل للعربياتِ المعرِّشات
كأنظمة القهر العربي
كحكومات النخل الطويلة
ولا بديل لجباهنا إلا قبلات الرصاص..
لكنَّ النخلَ يثمر في الفسائل القصيراتِ أحيانا !!
ربما.. وذات حياة لا تشبه الأحياء ..
سنلتقي بفؤاد طير على جنح ريح
تسقطنا مطرا يبلّل الفراشات بوحي الزهور
وفي آياتِ الشهد نحتمي برذاذ شفتين؛
سنقرأ شعرا لبعضنا وتبكينا القصائد
فما بيننا طفلٌ ستحملينه غدا ..
لم يبلغ الصلاة بوضوء النحل..
ولم نكترث إلى مافاتنا من نداء حروب الحب
لكنّها الحقيقة :
إننا نعشق الفردوس بخطى جهنم
ونقبّل بعضنا كخطيئة العشيرة ..
في رهاب الحلم فقط !!
فإِصْبَعك الذي استحال نهدا في رضاعة الجنون
أماتني بايماءة غيمة..
لاتزورني إلا بظمأ الأرض الماحلة
أكل الأزمنة تدولُ بزمان الحب .. ثم نزولُ؟؟
بلى..
وكالشعر لا ميقات مقدّس له في التخارج
فما تهاجس زمني بمكانية الخيال ..
وأنت ربّة اللحظة المحرجة
أخالها بكأس فارغة تملؤني ارتعاشا ..
لأرفع نخبي منتحرا بقبلتها العليا..
فما حجَّ رضابي بلسعتها ..
إلا فاغرا.. دون لعابها المميت !!
….
#مدخل #منهجي #رؤيوي
عتبة النص:
ينتمي نصّ (اليعربيات) إلى أفق شعري حداثوي يشتغل على تفكيك العلاقة بين الجسد والهوية وايضاً بين الإيروس والسلطة وبين الفردوس والرعب الجمعي
نلمس أن النص لا يتحرك في إطار غنائي بسيط
لكنه يؤسس شبكة دلالية مركبة تُعيد ترتيب العلامات الثقافية العربية (النخل- زمزم- القهر- القبلة- الرصاص- الفردوس) ضمن نسق تصادمي يعيد مساءلة القيم المؤسسة للوعي الجمعي
وتتجلى في نص (اليعربيات) بنية درامية قوامها (المفارقة) حين لا تقتصر القصيدة عند حدود التوصيف للحالة الوجدانية لكنها تذهب نحو تأسيس وعي معرفي يربط بين التاريخي (العروبة/الحكومات/النحل) وبين الذاتي (الرغبة/القبلة/الجسد) فالقصيدة ترفض السكون وتتبنى حداثة (قلقة) تشتبك مع الراهن بوصفه (قهراً)
ومع الغيب كونه (وعداً مؤجلاً )
فنحن أمام نص يمارس (الخطيئة المعرفية) بوعيٍ تام ليعيد صياغة مفهوم الفداء بالحب في زمنٍ ماحل
#والمنهج المعتمد في هذه القراءة يقوم على:
#المقاربة السيميائية:
أي تتبع العلامة وتحولاتها داخل النص
#والنهج الذرائعي:
الكشف عن وظيفة الخطاب وأثره التداولي في تشكيل موقف معرفي
#وعن المدخل الإبستمولوجي: في مساءلة طبيعة المعرفة التي ينتجها النص عن الحب والسلطة والهوية
#والاستدعاء الميثيولوجي: قراءة الرموز التراثية كونها حوامل سردية عميقة
وسنقرأ النص من خلال ذلك قراءة متسلسلة تشتغل على البنية النحوية والانزياح التركيبي ونسق الصور ووحدة الاشتغال الداخلي في أغلب السياقات
أولاً / #العنوان بوصفه عتبة دلالية:
(اليعربيات)
حين نتجلى بالعنوان نراه جمع مؤنث سالم إنما لا يحيل إلى مجرد نساء منسوبات إلى يعرب لكن إلى هوية جمعية مؤنثة
واختيار الجمع المؤنث يضع النص منذ البداية داخل فضاء:
أنثوي / قومي /أسطوري
وهو اختيار يحمل توتراً: فالأنثى هنا لم تكن فرداً لكنها نظاماً ثقافياً
فالجمع يشي بالاستغراق وكأن النص لا يخاطب امرأة بل بنية حضارية كاملة
#ثانياً / : سيميائية (التوبة) وزمزم العطر (المقدس والمدنس)
لو أمعنا في السطر ( أبعدَ شفا حلمة التوبة..أستقيلُ عن زمزم عطرها؟)
نلحظ أن النص يتحول نحو سيميائية (الارتداد)
فالناص يستخدم (زمزم) كعلامة ميثيولوجية للطهر لكنه يضعها في سياق (العطر) والجسد
مما يخلق إزاحة دلالية تجعل من الجسد مكاناً مقدساً للحج
أما عن الفعل المضارع (أستقيل) فهو يشير إلى (الوعي الذي لا يهدأ)
وهو رفض الشاعر للحلول الوسطى في الحب أو الانتماء
والجسد
هنا إذاً تنبثق جدلية القداسة والجسد
/أستقيلُ عن زمزم عطرها؟/ كتوظيف بارع من قبل المبدع حين أخذ الاستقالة وهي فعل إداري استعمله في سياق مقدس (زمزم) ليحدث تصادم تداولي
فالقداسة تتحول إلى عطر والعطر يتحول إلى عبء
إذاً النص يعيد تعريف المقدس بعيداً عن الطهر
إلى إغواء
#ثالثاً/ : سوسيولوجيا النخل وأنظمة القهر (قراءة في المسكوت عنه):
وننتقل هنا إلى سطر مفصلي: (لا بديل للعربياتِ المعرِّشات.. كأنظمة القهر العربي.. كحكومات النخل الطويلة)
فهنا الحيثية القواعدية: باستخدام (الكاف) للتشبيه
لم يعتمد عليها كحالة جمالية إنما هو تشبيه (إبستمولوجي) يربط الفيزيولوجيا (طول النخل) بالأيديولوجيا (ثبات الأنظمة)
وحين نلجأ إلى التأويل : ف( المعرّشات) صفة تدل على الامتداد والتشابك
وهي صورة سيميائية للمرأة العربية التي تحمل إرث القهر كقَدَر لا فكاك منه
أما (قبلات الرصاص) فهي الجملة التي تستلّين فيها مفردة (الرصاص)
لتكون فاعلاً في فعل الحب مما يقلب موازين (الحقيقة الشعرية)
ويجعل الموت هو (المطهر) الوحيد للجباه
#رابعاً/ : ميثيولوجيا (وضوء النحل) وطفولة المعنى:
لو أوغلنا في السطر (فما بيننا طفلٌ ستحملينه غدا ..
لم يبلغ الصلاة بوضوء النحل)
نجد انزياحاً قواعدياً وسيمانتيكياً مذهلاً
فالشاعر نراه يمنح (النحل) صفة ( المُتوضّئ)
وهنا تبرز الحداثة بوصفها وعياً متجدداً
وإن استخدام (لم) الجازمة لنفي بلوغ ( الصلاة) يشير إلى (براءة التجربة)
فالطفل/ الحب الذي لم يتوضأ بـ (شهد النحل) هو حبٌّ عذريٌّ لم يدرك بعد دنس (نداء حروب الحب)
صورة عميقة أبدعها شاعرنا وهذا يحسب له وهو المالك مفاتيح الادهاش
#خامساً/ : سيمياء (رضاعة الجنون) والزمان الدوار
يصل إلى ذروة النص في قوله :
( فإِصْبَعك الذي استحال نهدا في رضاعة الجنون.. أماتني بايماءة غيمة)
وهنا يتبلور الاستلال اللغوي:
في فعل (استحال) يعكس التحول الأنطولوجي من الجزء (الإصبع) إلى الكل (النهد/الرضاعة)
وهو ما نسميه في الدراسات الحديثة بـ( #تراسل #الحواس)
ولقد سعى الناص لفلسفة الزمن:
حين تساءل (أكل الأزمنة تدولُ بزمان الحب.. ثم نزولُ؟)
فهو يضع (دالة النقص) (نزول)
في مقابل (دالة الاستمرار) (تدول)
ليقرر أن الحب هو (الميقات المقدس) الوحيد الذي لا يخضع لقوانين الزمن الفيزيائي إنما لـ(مكانية الخيال)
#سابعاً/ : البنية النحوية والانزياح
إن النص يعتمد على:
كثافة الاستفهام
والجمل الاعتراضية
وكثرة الإضافات (رضاعة الجنون- نداء حروب الحب)
إن هذا التراكم الإضافي يولد شبكة تعلق دلالي أي ليست كلمة مستقلة بذاتها
فلعبت هنا الغائية المعنية من قبل الشاعر لإبراز السياق الادهاشي
كما أن استخدام الفعل المضارع (نلتقي- تسقطنا- نحتمي- نعشق) يمنح النص حيوية مستمرة ويجعل الزمن غير منغلق له ديمومته
#ثامناً/ : الحقول الدلالية الكبرى:
عندما نستقرئ النص تتبدى لنا امكانية استخراج أربعة حقول:
١/ حقل الجسد (خد- أنف- حلمة- إصبع- نهد- شفتين)
٢/ حقل القداسة (زمزم- آيات- الشهد- الصلاة)
٣/ حقل السلطة (القهر- حكومات- الرصاص)
٤/ حقل الطبيعة (نخل- طير- مطر- فراشات)
والنص لا يعزل هذه الحقول فهي خلطة لها تمازجيتها التي
يحدث من خلالها تداخل بين الجسد والمقدس
وبين الطبيعة والسياسة دون خلل بنيوي او اهتراء بالمعنى
أما عن البنية الكلية ووحدة النص:
فرغم كثافة الصور في النص لكنه ليس مفككاً وهذا أيضاً يحسب لبراعة الناص
فإن المحورية المركزية هي :
تحرير الهوية الأنثوية من سلطة التقديس الزائف ومن قهر البنية العمودية
فكل المقاطع تصب في هذا الجدل
من السؤال الأول عن (الطلع المستعار
إلى الاعتراف الأخير
بـ (اللعاب المميت)
وهناك خط سردي داخلي:
من التشكيك _ إلى الفضح _ إلى الاعتراف _ إلى الانخطاف
وحين ندرك الخاتمة نقف على (سيميولوجيا النخب المنتحر)
يختم الشاعر
بـ (لأرفع نخبي منتحرا بقبلتها العليا.. فما حجَّ رضابي بلسعتها.. إلا فاغرا)
إذ يعود هنا النص لينهي رحلة (الحج) التي بدأت بزمزم لكنها تنتهي بـ(لسعة مميتة) (الرضاب) (المبتدأ المكنّى) يحجّ إلى (اللسعة)
(الخبر الفاجع)
إن اللغة في هذا النص هي (مختبر إبستمولوجي)
لقد طوعتِ القواعد (مثل الاستثناء بـ (إلا) في الخاتمة) لتقييد المعنى في لحظة (الدهشة المطلقة)
نص “اليعربيات” هو بنية احتمالية بامتياز استطاع الناص فيه من خلال (الضوء الخاطف) أن يشتبك مع (أنظمة القهر) و(رهاب الحلم) إن السيميائية المتوسعة في النص تكشف عن ذات شاعرة ترفض (الأثاث الجاهز) للحب وتفضل أن (تؤثث للهباء) شريطة أن يكون هذا الهباء أصيلاً ونابعاً من (وعي متقد) النص في وحدته العضوية يمثل (درساً نقدياً) في كيفية تحويل (الخطيئة) إلى (فردوس) عبر بوابة الحرف الرصين
نصّ حداثوي عميق البنية يشتغل على تفكيك العلامة الثقافية العربية من داخلها ويعيد توزيع العلاقة بين الجسد والسلطة
وبين الحب والرعب
وأيضاً الفردوس والعقاب
إن لغته هي اشتعال داخلي
لكنها محكومة بانضباط نحوي واعٍ وانزياحات محسوبة غير مجانية
ووحدته نابعة من مركز توتري ثابت أبعد عن التكرار اللفظي
هو نص يليق بمبدع كبير لأنه لا يبوح بكل شيء
بل يترك فجوات تأويلية واسعة ويجبر المتلقي على المشاركة في إنتاج المعنى
نص متماسك في بنيته عميق في رموزه متوتر في لغته ومتماهٍ مع سؤال الهوية حتى آخر سطر
بورك اليراع أيها القدير
#مرشدة #جاويش































