Views: 2
حكاية 21 رمضان 1447 هجري
عنتر والماسِنجَر
كنْتُ أعطي دَرساً لطلابِ الصفِّ الحادي عشر في إِحدى المدارسِ الثانويّة عام 2009، وكانَ نَصّاً شِعريّاً مِن معلّقة (عنترة بن شدّاد العبسي)، ذاكَ الفارسُ الشاعرُ الذي ذهبَ مَثلاً في الفروسيّة والشّجاعة، وأفضْتُ في الحديثِ عن سيرتِه وفروسيّتهِ، وحبّهِ لابنةِ عمّهِ (عبلةَ بنتِ مالكٍ العَبسيّ)، أمّا الطلبةُ فَكانوا في مُتعةِ الاستماع، وتخَيُّلِ طقوسِ المجتمعِ العربيّ في الحقبةِ الجاهِليّة، وَما فيها مِن غَزوٍ وَسَبيٍ وَأحلافٍ قَبليّة مُتحاربة، وبَعضِ القلوبٍ العاشِقة، والفُرسانِ المَشهورين.
اعترضَ أحدُ الطلبةِ واستأذنَ منّي ليَتكلّمَ، ولَمّا أَذِنتُ لهُ قال:
عنترةُ واحدٌ مَجنون وقليلُ حيلة، فانفجرَتْ ضِحكةٌ منّي ومِن باقي الطّلبة، وسألتُ ذاكَ الطالبَ: لِماذا؟ قال:
أبو عنترةَ رجلٌ ظالِم وعُنصريّ، وعبلةُ واحِدةٌ مَغرورةٌ ومتكبّرةٌ على ابنِ عَمِّها لأنّه أسمرُ وأمّهُ خادمةٌ فَقيرة، وكانَ يجبُ على الشاعرِ أنْ يبحثَ عن غيرِها، يا أستاذَنا في الإنترنت تَرى النّساء (حامض حلو مالح، بَيضاء سَمراء شَقراء، سَمينة نَحيفة طَويلة قَصيرة، عَربيّة أَعجميّة، عَزباء مُتزوّجة مُطلّقة أَرملَة…)
لذلكَ دَعْنا من صاحبِك عنترةَ وهذهِ السّوالفِ القديمةِ التي ماعادَ لها فائِدةٌ في زَمانِنا..
حقيقةً استوقَفني كلامُه، فَهذا الفَتى ليسَ من الطلّابِ المُجتهدين، ولكنّهُ أسمرُ اللّونِ ناضِجٌ اِجتماعيّا، كثيرُ الغِياب، وقَد لاقَتْ أفكارُه اِستِحسانَ مَجموعةٍ كبيرةٍ من الطلّابِ، ويومها كانتْ وسائلُ التّواصلِ الاِجتماعيّ بدائيّةً مَقصورةً على البريدٍ الإلكترونيّ والرّسائلِ القصيرةِ في الهاتفِ المُتحرّك، ثمَّ ناقشْتُ الطالبَ وَزملاءَهُ وأَقنعتُهم بأنّ الأمورَ تُقاسُ في زمنِها، وفي ذلكِ العصرِ كانتْ معاييرُ الرُّجولةِ شَجاعةً وكَرَماً وَنَسَباً وَوفاءً للقبيلةِ، أمّا الحُبّ فكانَ عُذريّاً طاهِراً فيهِ صدقُ المَشاعرِ والسِّترُ والغِيرةُ، والحفاظُ على العِفّةِ والأَسرار.
انتهتِ الحِصَّةُ الدرسيّةُ لكنَّ أفكارَ ذلكَ الطالبِ وزملائهِ لمْ تغادرْ بالي، وكنتُ أسمعُ مِنهمْ بعضَ مُغامراتِهم على شَبكاتِ الإنترنت، فَخَطرَ في بالي أنْ أُوقِظَ عنترةَ العبسيَّ من رقادِهِ وأُحادثَهُ عبْرَ (الماسِنجَر) لأُوصِلَ لهَ حالَنا اليوم، وكيفَ تبَدّلَتِ القِيَمُ وانقلبَتْ المَعاييرُ، فلمعَ في فِكري عُنوانٌ لافِتْ: (عنتر والماسِنجر) فكتبْتُ قصيدةً من وحيِ ذاكَ الدّرسِ والنّقاشِ الذي حصلَ فيه، وهي منشورةٌ على شَبكاتِ التواصلِ الاِجتماعي، وَمُسجّلةٌ في موقعِ (يوتيوب) خلالَ إِحدى مُقابلاتي المُتلفَزة، وذلكَ قبلَ 17 عاماً، وَهذهِ بعضُ أَبياتِها:
أَلجِمْ حصانكَ، وَارمِ تلكَ المحبرةْ
وَانسَ الحَماسةَ وَالهوى يا (عنترةْ)
دَعْ عنكَ (عبلةَ) وابتسامةَ ثغرِها
وَسوادَ عَينيهـا وَعِطرَ المِبٌخَرةْ
فَلَكَم حلمْتَ بأنْ تنالَ وِصالَها!
وَهيَ التي في حُبِّ غيرِكَ مُجْبَرةْ
لا تَبْكِ أطلالاً وَلا تَعبَأْ بها
قَد خابَ مَن يَبكي طُلولا مُقْفِرةْ
لا تَفتَخِرْ، ولّى زمانُ مَفاخِرٍ
فَالفَخرُ في زَمنِ الحَداثةِ ثَرثَرةْ
خانتْكَ (عَبسٌ) وَازدَرتْكَ رِجالُها
لَم تَحْظَ مِن غاداتِها بالجَوهَرَةْ
كَمْ ذُقْتَ يا مِسكينُ حَسْراتِ الهَوى
وَالشَّوقُ في عينيكَ يا ما أَكْثَرَه!
لَو عُدْتَ حَيّاً يا (عُنيتِرُ) بَيننا
لَقَتلتَ نَفسَكَ أو سَكَنْتَ المَقبَرةْ
الحُبُّ قَد أضناكَ، وَالسَّيفُ الذي
خُضْتَ الغِمارَ بهِ، تعالَ لِتَكسِرَهْ
لو أنّ عاشِقَنا أرادَ لِقاءَ مَن
يَهوى بـ (مسكولٍ) دعاهُ وَأخْبَرَهْ
يَكفيهِ إنْ يَرُم ِ اللّقاءَ بـ (عَبلةٍ)
يَقذِفْ على عُنوانِها (ماسَنجَرَهْ)
بَيضاءُ في (الفيسبوكِ) مِن أعطافِها
تَتحوّلُ الصَّحرا غُيوماً مُمْطِرةْ
سَمراءُ في(الهوتميلِ) كحْلُ عيونِها
يَأتيكَ بالسَّهلِ الرّخيصِ لِتأسِرَهْ
شَقراءُ في (الياهو) تَميسُ بِقَدّها
لَمْ يَبْقَ شَيءٌ عِندَهـا كي تَخسَرَهْ
ثمَّ (الإنستا) وَ(السّنابُ) وَ(بوتَمٌ)
وَجَنائِنِ الخَيراتِ غَيرُ مُسَوَّرةْ
“لو كانَ يَدري ما المحاورة ُاشـتكى”
بالصَّوتِ حيناً أو تكونُ مُصوّرةْ
دَردِشْ مع الأحبابِ ساعةَ تَشتهي
وَاسْهَرْ إِذا ما اللّيلُ أَسْدَلَ آخِرَهْ
الحُبُّ صارَ مُحَوسَباً وَمُعَلَّباً
مَن يَرتغِبْ وَصْلاً يُقَلِّبْ دَفتَرَهْ
ضاعَ الشّبابُ ولم يَعُدْ في عصرِنا
نَفسٌ لَها أَمَلٌ بهِ مُسْتَبْشِرةْ
يا جيلَنا العَصريَّ هـلْ عَـوْدٌ إلى
قِيَم ِالأصالةِ وَالعُلا وَالمَفْخَرةْ
مـا أُمّةٌ مِنها يَضيعُ شَبابُها
إلّا تَموتُ وَتَسْتَحِقُّ المَغْفِرةْ
يا (عَنتَرُ العبسيُّ) لا تَعبَأْ بِنا
نحنُ الطَّرائِدُ وَالأعادي قَسْوَرَةْ
يا (عَنترُ العبسيُّ) ماتَ حِصانُنا
وَالرّوحُ في الفُرسانِ صارَتْ غَرغَرةْ
يا (عَنترُ العبسيُّ) إنَّ زَمانَنا
الحُبُّ فيهِ وَالشَّجاعَةُ مَسْخَرةْ
شَرحي يَطولُ وَلا أُريدُ إِطالةً
وَتُقاسُ حُرّيّاتُنا بِالمِسْطَرةْ
فَارجِعْ وَمُتْ، لا تَكترِثْ بِمَصيرِنا
وَعَلى الذي قَدْ قيلَ أَرجو المَعذِرَةْ
=====



































