إفطار الذكرى على مائدة الغياب / الشاعر د. جمال مرسي

Share

إفطار الذكرى على مائدة الغياب

شعر : د. جمال مرسي

وَتَــمُـرُّ ذِكـــرَاكَ الْـحَـبِـيبَةُ يَــا أَبِــي
كَـالنُّورِ يَـسرِي فِـي دُجَـايَ الْأَصعَبِ

​وَكَـــأَنَّــهُ مَـــلَــكٌ يَـــحُــطُّ رِحَــالَــهُ
فِـــي غَـــارِ خَـفَّـاقٍ حَـزِيـنٍ مُـتَـعَبِ

​حَــمَـلَ الـرِّسَـالَـةَ مِـــن إِلَـــهٍ رَاحِــمٍ
لِـيُـخَفِّفَ الْأَعـبَاءَ عَـن قَـلبِ الـصَّبِي

​كَـــم مَـــرَّتِ الْأَيَّـــامُ دُونَـــكَ مُـــرَّةً
مُذ غِبتَ يَا نُورَ الضُّحَى عَن كَوكَبِي

​وَتَـرَكـتَ نَـايَـكَ عَـاِزفاً فِـي غُـرفَتِي
لَـحْنَ الرُّجُوعِ، فَهَل تُحَقِّقُ مَطلَبِي؟

​وَتَـعُـودُ مِــن بَـعدِ الـرَّحِيلِ فَـأَرتَوِي
مِــن نَـبـعِ كَـوثَـرِكَ الـنَّقِيِّ الْأَعـذَبِ؟

​أَم أَنَّ أَوهَــامِــي سَـتَـأخُـذُنِي إِلَـــى
مَـا لَـيسَ لِي مِن أَخذِهِ مِن مَهرَبِ ؟

​عِـشرُونَ عَـاماً مُـذ رَحَـلتَ وَلَم يَزَل
نَــيـلُ اشـتِـيَاقِي لِـلِّـقَا لَــم يَـنـضَبِ

​فَــأَعُــودُ لِـلـبَـيـتِ الَّــــذِي شَـيَّـدتَـهُ
بِـحَـلَالِ مَــالٍ خَـالِـصٍ لَــم يُـسـلَبِ

​وَزَرَعــتَ فِــي بَـاحَاتِهِ قَـمحَ الـتُّقَى
تَـنـمُـو الـسَّـنَـابِلُ لِـلـفَقِيرِ الْـمُـسغِبِ

​قُـــرآنَ رَبِّـــي كُـنـتَ تَـتـلُو خَـاشِـعاً
آيَـــاتِــهِ مِـــــن فَــجــرِنَـا لِـلـمَـغـرِبِ

​فَـكَـأَنَّـمَا فَــوحُ الْـجِـنَانِ سَــرَى بِـنَـا
عَــبْـرَ الــتِّـلَاوَةِ لِـلـصَّـحَابَةِ وَالـنَّـبِي

فَـنَـرَى الـنَّـبِيَّ وَقَــد تَـوَضَّـأَ بِـالـسَّنَا
يَـحـنُو عَـلَى قَـلبِ الـفَقِيرِ الْـمُجدِبِ

​ونَـرَى “أَبَـا بَـكرٍ” ، نَـرَى “عُمَرَ” الَّذِي
بِـالْـعَدلِ يَـمـشِي فِــي أَزِقَّــةِ يَـثرِبِ

​وَنَـرَى الْـفُتُوحَاتِ الَّـتِي قَـد أَسَّسَت
لِــحَـضَـارَةٍ بِــالْـحَـقِّ لَا بِـالْـمَـنـصِبِ

​آثَــارُهَــا بَــقِـيَـت شَــوَامِــخَ لِــلـذُّرَا
مَــا كَـانَ يُـنكِرُهَا سِـوَى فَـدْمٍ غَـبِي

​وَيَـجِيءُ شَـهرُ الـصَّومِ تَجمَعُنَا عَلَى
عِــلـمٍ تَـعَـطَّـرَ بِـالْـحَـدِيثِ الْأَطـيَـبِ

​هَـا قَـد أَتَـى رَمَـضَانُ لَـم يُـخلِف لَنَا
وَعــداً، وَوَلَّــى بَـعـدَ طُــولِ تَـرَقُّـبِ

​هَـا قَـد مَـضَى بِـحَقِيبَةِ الذِّكرَى وَلَم
نَــنـسَ الَّــذِي قَـدَّمـتَ، لَــم نَـتَـنَكَّبِ

​أَعــطَــى الْأَحِــبَّـةَ مَــوعِـداً لِـلِـقَـائِهِ
وَلِـقَـاؤُنَا بِــكَ عَــن قَـرِيـبٍ يَــا أَبِـي