تداعيات الحرب على الإنسان وكيف يتجاوزها ؟* بقلم د.ليلى صليبي

Share

تأثيرُ الحربِ على الإنسانِ نفسيًّا وجسديًّا.

*بقلم د.ليلى صليبي

ليستِ الحربُ حدثًا عابرًا في سجلِّ الزّمنِ، بل زلزلةٌ تمتدُّ إلى أعماقِ الإنسانِ، فتُعيدُ تشكيلُه من الدّاخلِ قبلَ أن تتركَ آثارَها على ما يحيطُ به من عمرانٍ. إنّها لا تكتفي بهدمِ المدن، بل تنفذُ إلى البنيةِ الخفيّةِ للإنسانِ: نفسيًّا وجسديًّا، حيث تتشظّى الطمأنينةُ ويتآكلُ الإحساسُ بالأمانِ.

على المستوى النّفسي، تزرعُ الحربُ في الإنسانِ قلقًا دائمًا، كأنَّ الخطرَ لم يعدْ طارئًا بل صارَ حالةً مقيمةً. يتبدّدُ الإحساسُ بالاستقرارِ، وتتحوّلُ الذاكرةُ إلى مخزنٍ للصّورِ القاسيةِ: أصواتُ الانفجاراتِ، مشاهدُ الفقدِ، وارتباكِ اللحظةِ التي لا تُمنحُ فيها فرصةُ الفهمِ. ومع تراكمِ هذه الخبراتِ، قد يظهرُ ما يُعرفُ باضطرابِ ما بعدَ الصّدمةِ، حيث يستعيدُ الإنسانُ التجربةَ المؤلمةَ مرارًا، وكأنّها لم تنتهِ قط. ولا تقفُ الآثارُ عندَ هذا الحدِّ، بل تمتدُّ إلى الاكتئابِ، وفقدانِ المعنى، وانكماشِ القدرةِ على التواصلِ مع الآخرين، وكأنَّ الحربَ تسلبُ الإنسانَ لغتَه الداخليةً قبلَ أن تسلبَه كلماتِه.

أمّا جسديًّا، فالحربُ تُنهكُ الجسدَ ببطءٍ وقسوةٍ. التّوتّرُ المستمرُّ يرفعُ من معدلاتِ الإجهادِ الحيوي، ويُضعفُ جهازَ المناعةِ، فيصبحُ الإنسانُ أكثرَ عرضةً للأمراضِ. قلّةُ النّومِ، وسوءُ التغذيةِ، وانعدامُ الرّعايةِ الصّحيّةِ في بيئاتِ النزاعِ، كلُّها عواملُ تُراكمُ هشاشةً صامتةً في الجسدِ. كما أنّ الإصاباتِ المباشرةَ تتركُ آثارًا دائمةً، لا في الأعضاءِ فحسبُ، بل في الإحساسِ بالجسدِ ذاتِه؛ إذ يتحوّلُ من وعاءٍ للحياةِ إلى سجلٍّ للألمِ.

الأخطرُ من ذلك أنّ الأثريْن النّفسي والجسدي لا يسيران في خطّيْنِ منفصليْنِ، بل يتداخلان في علاقةٍ معقّدةٍ؛ فالألمُ النّفسيُّ قد يتجسّدُ تعبًا جسديًّا، والإنهاكُ الجسديُّ يزيدُ من حدّةِ القلقِ والاضطرابِ . وهكذا يدخلُ الإنسانُ في دائرةٍ مغلقةٍ، يصعبُ كسرَها دونَ دعمٍ حقيقيٍّ يعيدُ التّوازنَ إلى حياتِه.

ومع ذلك، يبقى في الإنسانِ شيءٌ يقاومُ هذا الانهيارَ: القدرةُ على التكيّفِ، وإعادةُ بناءِ المعنى. فحتّى في أشدِّ الظّروفِ قسوةً، تنبثقُ محاولاتٍ للتماسكِ، سواءَ عبرَ التّضامنِ الاجتماعي، أو عبرَ استعادةِ أشكالٍ من الحياةِ اليوميّةِ تمنحُ الإحساسَ بالاستمرارِ.

إنَّ الحربَ، في جوهرِها، ليستْ فقط صراعًا بين قوى، بل امتحانٌ لحدودِ الإنسانِ: كم يستطيعُ أن يتحمّلَ، وكم يحتاجُ ليعودَ إلى نفسِه. ولذلك، فإنَّ معالجةَ آثارِها لا ينبغي أن تقتصرَ على إعادةِ الإعمارِ الماديِّ، بل يجبُ أن تمتدَّ إلى ترميمِ الإنسانِ في أعماقِه، حيث يبدأُ السلامُ الحقيقيُّ.

  • أديبة واكاديمية لبنانية