
قراءة نقدية لقصيدةُ ليلاس زرزور «السُّور» *بقلم د.ليلى صليبي
تقوم القصيدة على بناءٍ رمزيٍّ متماسكٍ يجعلُ من “السور” أكثرَ من حدٍّ مكانيٍّ؛ إنّه يتحوّلُ إلى استعارةٍ كبرى للانقسامِ الإنسانيِّ بينَ الدّاخلِ والخارجِ، بين الوعي والانغلاقِ، بين حياةٍ تُدارُ بالأسى وأخرى تُلمَحُ من خلفِ الحُجُبِ كاحتمالٍ مؤجَّلٍ للنجاةِ.
منذُ الأسطرِ الأولى، يتبدّى هذا التوترُ البنيويُّ:
فخلفَ السورِ يسطعُ نورٌ وطيرٌ وفراشاتٌ، أي علاماتِ حياةٍ متجدّدةٍ، تنتمي إلى فضاءِ الحريةِ والانفتاحِ. لكنَّ الداخلَ، على النقيضِ، يُقدَّمُ بوصفِه فضاءً “غارقًا” في الموروثاتِ والرؤى “الرعناء”. هذا التقابلُ لا يقومُ على وصفٍ سطحيٍّ، بل على ثنائيّةٍ وجوديّةٍ: الحياةُ الممكنةُ مقابلَ الحياةِ المعيشةِ فعليًّا.
القصيدةُ تشتغلُ بوعيٍ نقديٍّ واضحٍ تجاهَ الذاتِ الجمعيةِ، إذ لا تكتفي بتصويرِ “الآخر الخارجيّ”، بل تُوجّهُ سؤالَها إلى الداخلِ الإنسانيِّ: كيفَ يتحوّلُ الإنسانُ إلى كائنٍ يقتتلُ على “بساط الغباء”، ويصنعُ الحروبَ من غيرِ رشدٍ ؟ هنا تتجلّى نبرةُ مساءلةٍ أخلاقيةٍ، تجعلُ النصَّ أقربَ إلى مرآةٍ قاسيةٍ تُعيدُ تعريفَ العنفِ بوصفِه صناعةً داخليةً لا قدرًا مفروضًا.
من الناحيةِ البلاغيةِ، تعتمدُ الشاعرةُ على تراكمِ الصورِ الكونيةِ: الأنهار، الغلال، الطيور، الغابة، النجوم، الطفل، الأم… وهذه العناصرُ ليستْ تزيينيةً، بل تؤدي وظيفةً دلاليةً: الطبيعةُ في القصيدةِ تُقدَّمُ كمنظومةِ انسجامٍ كونيٍّ، في مقابلِ اختلالِ الإنسانِ. حتّى النجومُ “تتأسّى”، وكأنَّ الكونَ ذاتَه يشاركُ في رثاءِ الإنسانِ لنفسِه.
وتبلغُ المفارقةُ ذروتَها حين تُطرحُ صورةُ “قبورٍ تضجُّ بالأحياءِ”، وهي صياغةٌ تنقلُ القارئَ من مفهومِ الموتِ البيولوجي إلى موتٍ معنويٍّ أعمقَ: موتُ الحسِّ، موتُ السلامِ، موتُ البصيرةِ. وهنا تتحوّلُ القصيدةُ إلى نصٍّ وجوديٍّ بامتيازٍ، لا يكتفي بوصفِ الانهيارِ، بل يحاولُ تفكيكَ أسبابِه الأخلاقيةِ والروحيةِ.
في المقابلِ، لا تستسلمُ القصيدةُ للعدميةِ. فبعدَ مسارٍ طويلٍ من التوصيفِ القاتمِ، يظهرُ “خلفَ بحرِ القنوطِ” أفقٌ آخر: حلمٌ، شمس، غدير، انتظار، لقاء، غزال، وجمالٌ كونيٌّ يعيدُ التوازنَ إلى المشهدِ. هذا الانتقالُ ليس زينةً ختاميةً، بل هو إعادةُ فتحٍ للمعنى: العالمُ ليس مغلقًا بالكاملِ، بل يمكنُ إعادةُ تخيّلِه.
وتبرزُ في هذا السياقِ دلالةٌ مهمةٌ: أنَّ “السورَ” ليس قدرًا نهائيًّا، بل بنيةٌ قابلةٌ للهدمِ. لذلك تنتهي القصيدةُ بدعوةٍ واضحةٍ إلى كسرِ الجدرانِ، ونشرِ الحبِّ، واستعادةِ معنى التآخي. هنا يتحوّلُ النصُّ من التأملِ إلى التوجيهِ، ومن التشخيصِ إلى الأملِ.
من زاويةِ الأسلوبِ، تمتازُ القصيدةُ بنَفَسٍ خطابيٍّ متوازنٍ مع شعريةِ الصورةِ؛ فهي لا تنغلقُ في الغنائيةِ الخالصةِ، ولا تتحوّلُ إلى خطابٍ مباشرٍ، بل تمشي على خيطٍ رفيعٍ بين الاثنين. كما أنَّ التكرارَ الدلاليَّ (السور، الداخل، الحروب، السلام) يمنحُ النصَّ وحدةً عضويةً واضحةً، رغمَ امتدادِه الطولي.
يمكنُ القولُ إنَّ “السورَ” ليستْ قصيدةً عن جدارٍٍ ماديٍّ، بل عن الجدرانِ التي يبنيها الإنسانُ داخلَ نفسِه: جدارُ الخوفِ، الغباءِ، العنفِ، واللاوعي الجمعي. وفي المقابلِ، تظلُّ القصيدةُ نفسُها محاولةً لفتحِ ثغرةٍ في هذا الجدارِ، ولو عبرَ اللغةِ.
إنّها كتابةٌ تُراهنُ على الشعرِ بوصفِه إمكانيةَ إصلاحٍ رمزيٍّ للعالمِ، لا بوصفِه ترفًا جماليًّا فقط، بل بوصفِه سؤالًا أخلاقيًّا مفتوحًا: كيفَ يمكنُ للإنسانِ أن يعبرَ من داخلِ السورِ إلى ما خلفَه دونَ أن يفقدَ إنسانيتَه في الطريقِ؟
” إنها القصيدةِ الوجدانيةِ العميقةِ «السور»، التي نسجتْها الشاعرة المبدعةِ “ليلاس زرزور بلغةٍ شفيفةٍ وصورٍ موحيةٍ تنبضُ بالألمِ والأملِ معًا.
نصٌّ يلامسُ الروحَ، ويكشفُ بحسٍّ شعريٍّ رفيعٍ قدرةَ الكلمةِ على اختراقِ الأسوارِ وبعثِ الضوءِ في العتمةِ.
دمتُ مبدعتنا متألّقةً بعطائِك الشّعريّ الجميل.
**ناقدة وأكاديمية لبنانية
وهاكم القصيدة
،،السُور،،
خَلْفَ سُورٍ منَ الأسى وَالعَناءِ
نُورُ شَمسٍ يَلُوحُ في الظَلماءِ
وَطُيورٌ إلى السَلامِ تُنادي
وَفَراشٌ مُلَوَّنٌ في الفَضاءِ
بينَما نَحْنُ داخلَ السُورِ غَرْقى
بالمَواريثِ والرُؤى الرَعناءِ
أخَذَتْنا شُرُورُنا نَحْوَ قَبْوٍ
فاقتَتَلْنا على بِساطِ الغَباءِ
وَتَرى حالَنا النُجومُ فتأسى
لقُبورٍ تَضُجُّ بالأحياءِ
نَتَعادى وكلُّ حُلْمٍ جًميلٍ
يتَذرّى كَزهرةِ الهندباءِ
وَنُقيمُ الحُرُوبَ من غَيرِ رُشْدٍ
وَنسُوقُ المَنُونَ للأبرياءِ
إنّ ماءَ الأنهارِ يَرْوي العَطاشى
في جَميعِ الأنحاء وَالأرجاءِ
وَغِلالُ الأرضِ التي تَحتوينا
تُشْبعُ الكُلَّ دُونَ ايِّ عَداءِ
فَلماذا البَغْضاءُ تَعْبثُ فينا
أخْبريني ياغابةَ الكسْتِناءِ
وَالرسالاتُ بالمَحَبــّةِ أوصَتْ
فَتَرَكنا وَصيّةَ الأنبياءِ
وأكَلْنا لَحْمَ بعْضنا وَغَفِلنا
عن زُهورٍ تضَرَّجَتْ بالدِماءِ
كلّ يَومٍ تُدمي القُلوبَ ضَحايا
نجْتليها بنشْرةِ الأنباءِ
وَدُمُوعُ البُكاءِ تَهْمي لطفلٍ
دونَ أمٍّ يَنامُ فوق العَراءِ
وَيَقيناً بقَبرِها الأمُّ تَبكي
حين يَبكي يَتيمُها في الخَفاءِ
أيُّ حُزنٍ بدرْبهِ قد مَضَينا
وَوَصَلنا إلى بُكاءِ البُكاءِ
هَجرَ الطَيرُ عشّـهُ إذْ عَبثنا
بِثيابِ الطَبيعَةِ الحَسناءِ
لو تَؤولُ الزُهُورُ لليَبْسِ يَوماً
تأخُذُ الرُوحَ مِن دُمُوعِ الشتاءِ
خَلْفَ بَحْرِ القُنوطِ يَسْكُنُ حُلْمٌ
وَشُموسٌ وَشاطئٌ مِن رَجاءِ
وَانبعاثٌ وَوَشْوَشاتُ غَديرٍ
تَبْعَثُ العِطرَ في نَسيمِ الهَواءِ
وَفتاةٌ على انتظارِ فَتاها
تَرقُبُ الوَقتَ لَهْفَةً للّقاءِ
وغَزالٌ على التلالِ تَهادى
بأمانٍ على شِفاهِ المَساءِ
وكأنَّ الجبالَ وَالثَلْجُ فيها
كُلِّلَتْ بالنوارسِ البَيضاءِ
وَهَبَ اللهُ كلَّ شيءٍ إلينا
منْ جَمالٍ وَبَهْجَةٍ وَبَهاءِ
يَنْحَني النَخْلُ لابتسامَةِ طِفْلٍ
كَملاكٍ مُزَيَّنٍ بالصَفاءِ
رَبّما النَخْلُ عالِمٌ أنَّ هذا
سَوفَ يَغدو مِنْ صَفوَةِ الشُعَراءِ
وسَيَدْعو إلى السَلامِ برُوحٍ
تُرهِقُ السِحْرَ في حُرُوفِ الهجاءِ
ليسَ مِثل السَلامِ في الكَونِِ رِبْحٌ
وَعلى الناسِ خِصْلَةٌ كالوَفاءِ
هذهِ الأرضُ أُمُّنا تَحتَوينا
بِحَنانِ الأُمُومَةِ السَمْحاءِ
نحنُ مِنها وَتَحْتَنا في ثَراها
يَتَساوى الملوكُ بالبُؤساءِ
فلْنَعِشْ بينَ بعضنا بالتآخي
وَبَعيداً عن فِكْرَةِ الإقصاءِ
ليتَنا نَهْدِمُ الجِدارَ وَنَمْضي
نَحْوَ فَجْرٍ مُضَمَّخٍ بالنَقاءِ
نَنشُرُ الحُبَّ وَالسَلامَ عليها
فَهْيَ دُنيا تَؤولُ نَحْوَ الفَناءِ
ليلاس زرزور




