من عبق الوفاء

Share

مرّت سنتان يا أبي…
سنتان منذ رحلتَ عن أعيننا، لكنك لم ترحل يومًا عن قلوبنا.
ويأتي حزيران من جديد، حاملاً معه وجع الذكرى ودفء الحنين، فتُفتح أبواب الذاكرة كلها دفعةً واحدة، وتعود تفاصيلك حيّة كما لو أن الغياب لم يكن.
أشتاقك يا أبي…
أشتاق صوتك الذي كان يطمئن قلبي، ونظرتك التي كانت تمنحني القوة، وأشتاق ذلك الأمان الذي كان يملأ الدنيا ما دمتَ فيها.
أنا ابنة ذلك الرجل العظيم… الرجل الذي لم يكن يملك ثروةً من المال، لكنه كان أغنى الناس بقلبه، وكرمه، وكفاحه، ونبله.
أنجبتَ خمس بنات، ولم نشعر يومًا أننا نفتقد سندًا أو قوة، لأنك كنت لنا الأب والأخ والصديق وكل الرجال.
كنت ترى فينا ما لم نكن نراه في أنفسنا، وتزرع فينا الثقة قبل أن نعرف معناها، وتعلّمنا أن الكرامة لا تُشترى، وأن الأخلاق هي الإرث الحقيقي الذي يبقى للإنسان بعد رحيله.
واليوم، كلما نظر الناس إلينا، أرجو أن يروا شيئًا منك… أن يروا أثر تربيتك، ونور قيمك، وجمال روحك التي ما زالت تسكننا.
أفتخر بك يا أبي كما لم أفتخر بأحد. وأفتخر أنني ابنتك، وأن اسمي ارتبط باسم رجل أحبه كل من عرفه، واحترمه كل من اقترب منه.
كنت طيبًا على نحوٍ نادر… قريبًا من الجميع، رحيمًا بالجميع، لا تحمل في قلبك إلا الخير والمحبة.
ولأن الأرواح العظيمة لا تموت، ما زلت حاضرًا في دعائنا، وفي أحاديثنا، وفي كل نجاح نحققه، وفي كل موقف نتذكر فيه نصيحةً منك أو درسًا علمتنا إياه.
رحلتَ عن الدنيا، لكنك تركت في قلوبنا وطنًا كاملًا من الحب.
وفي الذكرى الثانية لرحيلك، لا أقول إنني اعتدت غيابك… فالأب لا يُعتاد غيابه أبدًا.
كل ما في الأمر أننا تعلمنا كيف نخفي وجع الاشتياق، وكيف نبتسم بينما يناديك القلب في كل يوم.
رحمك الله يا أبي، رحمةً تليق بقلبك الطيب، وجمعنا بك في جنات النعيم، حيث لا فراق ولا وجع ولا دموع.
ستبقى حبيب القلب الأول… وستبقى أجمل دعاءٍ نحمله إلى السماء

*ماري عبود دروج ،صيدلانية سورية