
قراءة في قصيدة ،، وداع الوطن،، للأب يعقوب طحان
*بقلم جورج عازار
يرسم الشاعر الأب يعقوب طحان لوعة الشوق إلى الوطن، وهو على مشارف الرحيل كأنما الروح هي التي تفارق الجسد، ويبقى الجسد هنا مجرد جسم متحرك لا روح فيه، لأن الروح اختارت البقاء هناك في ربوع الوطن.
هنا حيث الخيارات تكاد تكون معدومة و لا بدّ له، إما أن يحمل الوطن في حقيبته كي يكون للعيش معنى وهو في بلاد المهجر البعيد، أو أن يترك الروح هناك تعانق حبيبات التراب في أرض الوطن فتصبح الحياة حينها مجرد عذابات تتكرر في كل حنين وفي كل ذكرى وفي كل اشتياق إلى أريج الوطن، فالبعد عنه يجعل قشعريرة البرد في العروق تسري وحينها يضمحل لون الشمس ودفئه هو الوداع المؤلم الذي يقول فيه الشاعر ابن عبد ربه الأندلسي :
إن يوم الفراق يوم فظيع ليتني مِت قبل يوم الفراق
يشبه الشاعر يعقوب الوطن كالشمس ويبين كيف يزداد الشعور بالبرد وهو بعيد عن دفءِ الوطن فهو الغطاء الذي يلفه ويقيه من كل الملمات، ويحفظه من كل الأخطار، فهو ليس مجرد ساتر يقيه برد الشتاء بل هو الأم ، وهو المشيمة التي تحيط به وتمنع عنه كل أذى وسوء وضرر.
ولأن الذكريات الجميلة لا تفارق مخيلته ،فهو يورد كل حسن عرفه في ربوع الوطن من جداول رقراقة وصخب النهر وأيام الفرح، قبل أن تبدّده نيران الحرب وتزرع الموت في حناياه وتبدل رايات الفرح ببيارق الحزن البغيضة، فيموت نور الشمس ويصبح سيد العتمة هو السلطان، فلا تجد عصافير المدى غير الرحيل بعيداً عن الديار .
ورغم كل الألم وحرقة الفؤاد الذي يحس به وهو يرى ذلك الوطن الذي عشقه يعاني ويلات الحرب والدمار، ولكنه يعاهد نفسه على العودة مهما طال الزمان أو قصر فإن لم يستطع وهو ينعم بالحياة فهو سيعود للقاه حتى ولو كان في لحد أو في كفن.
كما قلت هى مشاعر حنين متأججة إلى تراب الوطن الذي وإن فارقناه لكنه أبداً لا يفارقنا، ويبقى طيفه دوما يعشش في مخيلتنا ويداعبنا في كل ذكرى ترد في خاطرنا، ويبقى عبقه وردة لا ينفد طوال العمر شذاها ولا يتبدد أبد الدهر عطرها ،
*شاعر وقاص سوري- سويدي
============نص القصيدة ==============
(وداع الوطن)
يَوْمَ تركتكَ يَابَلَدِي اِنْفَصَلَتْ روحي عَنْ جَسَدي
وَسَمِعْتُ صوتاً يُنَاديني إِلَى أَيْنَ ذَاهِب يَاوَلَدِي
وَدُعَاءُ أُمٌّ آلَمَهَا رَحَيلَ فِلِذَّاتِ اِلْكَبِدِ
وَدَّعْتُ شَمْسَاً دَافِئَةً تُشرِق مِنْ فَوْقَ الجَلَدْ
قَبَّلْتُهُا وَأَنْوارُهَا نَائِمَةٌ شُعَاعُهَا مَازَالَ فِي الغِمْدِ
مِنْ دونِ دِفْىئَكَ يَا وَطَنِ أَرْتَجِفُ مِنْ أَلَمِ البَرْدِ
أَبَدَاً لَا يَسْأَلْنِي أَحَدٌ لِمَا صُدِمْتَ فِي الُّسهُدِ
أَفَقْتُ عَلَى ذِكْرَى حَمَلَتْني لِأَفْكَارٍ تَرْجَعُ لِلْعَهْدِ
لِعَهْدٍ كُنَّا بِهِ شَعْبٌ نَعيشُ الفَرَحَ مَعَ الرَّغْدِ
وَهَديرُ الأَنْهارِ شِعْرٌ كَلِماتُهُ اَلْحَانُ السَّعْدِ
وَجَدَاوِلُ رَقْرَاقَةُ عَزَفَتْ عَلَى أَوْتَارِ مِيَاهِ الوَجْدِ
في لَيْلَةٍ حَاِلكَةٌ ظَلْمَاءُ تَبَدَّلَ الفَرَحُ إِلَى كَمَدِ
وَثَكَالَى بِحَرْقَةِ قَلْبٍ يَبْكَيْنَ آَلَامَ الَفْقد
وَأَطْفَالٌ سًحِقَتْ بَرَاعِمُهَا قُتِلَتْ وَكَأَنَّها لَمْ تَلِدِ
وَأُناسٌ تَرَكَتْ مَنَازِلَهَا هَجَرَتْ وَالحُزْنُ فِي اِلْخَلدِ
عَصافيرٌ غَادَرَتْ مَديْنَتَنَا خَوفاً مِنْ شَرَّ مُتَّقِدِ
وراءُ قُضْبَانِ الغُرَبَةْ غَيْرَ الدُموعِ لا أجدِ
أُجيدُ كَلِاماً أَكْتُبُهٌ حَنينَاً لِأَرْضِ المَهْدِ
أُنَاشُدُكِ أَعِدُكِ سُوريَّا وِلِإِخْوَتِي فيهَا بِالفَرْدِ
سَأَعودُ إِلَيْكِ يَا أُمِّي لَوْ كنتُ فِي كَفَنِ الَّلحْدِ
====================





