قراءة نقدية لومضة د.هشام ف غلي ،،همس الخديعة،،

Share

الحكمة والعمق الفلسفي.. للشاعر هشام فرغلي “همس الخديعة”
بقلم عزيزة المبارك /سورية
النص:
همس الخديعة

حين يهمس الغدر في أذن البراءة ستكون النهاية حتمية.
​فلا تمنح ثقتك لكل من يتكلم بقول معسول.
فالثعلب لن يأتيك إلا وهو يرتدي ثياب الواعظينا .
وبعدها يغرس الخطر أنيابه في عنق الطمأنينة.

** هشام فرغلي **

النص لوحة فنية مكثفة تحذر من الغدر المغلف باللطف، “همس الخديعة” تركيب لغوي يعبر عن نوع من التضليل الذي يتم بنعومة، وهدوء شديدين، بدلاً من الخداع الصاخب، تكون المكيدة هنا هامسة، كدلالة على النعومة القاتلة.
النص يدور حول فكرة الخداع الاستراتيجي؛ حيث لا يأتي الشر دائماً بوجهه القبيح، بل يتسلل عبر الكلمات المعسولة والمظاهر الخادعة. الكاتب وجه نصيحة أخلاقية بضرورة عدم منح الثقة المطلقة لمن يظهرون بمظهر الناصحين ويرتدون ثوب الواعظين، وهم يضمرون سوءًا، لأن “النهاية الحتمية” للثقة العمياء في غير محلها هي الخذلان.
الكاتب استخدم رموزاً تراثية وطبيعية لتعميق المعنى، مثلاً:
الهمس: يرمز إلى السرية والمكر، الشر لا يعلن عن نفسه بصوت عالٍ، بل يتسلل بهدوء. مما يعمق الشعور بالانتهاك والمباغتة.
البراءة: ترمز إلى التضحية الغافلة أو النقاء الساذج الذي يسهل استغلاله.
الثعلب: الرمز التقليدي في الأدب العربي والعالمي، للمكر والدهاء، والتحايل.
ثياب الواعظين اختارها الكاتب، دلالة إلى “,النفاق الاجتماعي” والتستر بالدين للوصول لغايات دنيئة. وهي استعارة كلاسيكيه قوية.
الأنياب: رمز إلى القوة الغاشمة والأذى الحقيقي، الذي يظهر فور تمكن الشخص من خداع الآخرين.
النص عبق بالخصائص الفنية والصور الجمالية سأذكرها فيمايلي:
استخدم الكاتب التشخيص، جعل “الغدر” شخصاً يهمس، و “الخطر”، وحشاً يغرس أنيابه، و”الطمأنينة”، كائناً يمتلك عنق، مما منح النص حيوية وقدره على تجسيد العماني المجردة.
نرى المقابلة والطباق وثنائيات التضاد: برزت المفارقة بين “القول المعسول”، وبين “غرس الأنياب”، وبين “الثعلب”، و “الواعظ”، مما أبرز حدة الصراع الداخلي بين المظهر والجوهر.
اعتمد الكاتب التكثيف اللغوي، فقد ابتعد عن الحشو، وركز على الصدمة والضربة الشعورية، رغم قصر النص لكنه حمل حكمة بالغة الأهمية، مختاراً الجمل القصيرة المترابطة التي تؤدي إلى نتيجة منطقية صادمة.
كما وظف الصورة البصرية، ورسم مشهداً سينمائياً ودرامياً، بدأ بالهمس، وانتهى بالانقضاض، مما ترك أثراً تحذيرياً في نفس القارئ.
استخدام كلمة “حتمية”، أضفى ثقلاً على التحذير، وكأن النص يضع قانوناً أخلاقياً ثابتاً، ليدعم الفكرة بشكل جلي.
الومضة عبارة عن رسالة توعوية، ودعوة لليقظة العقلية، يذكر في نهايتها بيت شعري لأبو فراس الحمداني، ليذكر أن المظاهر غالباً ما تكون فخاً يسقط فيه الأبرياء.
برأيي النص ومضة تحذيرية أدبية، الكاتب نجح في توظيف الرموز؛ ليقدم النصح الأخلاقي، واختار الشاهد الأخير ليدعم الفكرة بعبارات قوية فصيحة، لشاعر معروف له تأثير في الأدب، ووقع في النفس، ليضيف إلى الحكمة وقع درامي بارع، وقد وفق في اختياره.
اتمنى له مزيداً من الألق والنجاح.