
كنز لايفنى قصة * ليلى صليبي
كنزٌ لا يفنى
سهى فتاةٌ في الثامنةَ عشرةَ من عمرِها، تعيشُ في كنفِ عائلةٍ متواضعةِ الحالِ. يعملُ والدُها في أحدِ المستودعاتً الغذائيةِ، بينما تتفرّغُ والدتُها لرعايةِ الأسرةِ المؤلفةِ من ثلاثةِ أولادِ. كانت سهى الابنة الكبرى، تتّصفُ بالتواضعِ وحسنِ الخلقِ، وتحترمُ أصدقاءَها وتسعى دائمًا إلى مساعدتِهم.
عُرفتْ بين زميلاتها بتفوّقِها الدراسي في الجامعةِ وسلوكِها الحسنِ، فكانتْ تحظى بتقدير الأساتذةِ وإدارة الجامعةِ. غيرَ أنَّ بعضَ زميلاتِها كنّ يشعرْنَ بالغيرةِ من نجاحِها وتميّزِها، فيوجّهْنَ إليها عباراتِ السخريةِ والاستهزاءِ. وكانتْ تلك التصرفاتُ تؤلمُها كثيرًا، لكنّها تلتزمُ الصمتَ، محافظةً على كرامتِها واحترامِها لنفسِها.
وكثيرًا ما حاولَ بعض الطلّابِ استفزازَها بسببِ فقرِ عائلتِها، إلاّ أنّها لم تنحدرْ يومًا إلى مستوى الإساءةِ، بل كانتْ تواجهُ الكلماتِ الجارحةَ بالصبرِ والحكمةِ.
في أحدِ الأيامِ، وبينما كانت سهى تجلسُ في حرمِ الجامعةِ خلالَ الاستراحةِ، تُقرأُ قصةً أحبّتْها، اقتربتْ منها زميلتُها سهام وقالتْ مستغربةً:
* لماذا لا تتسليْنَ معنا وتقضين وقتَكِ في القراءةِ؟
ابتسمتْ سهى وأجابتْ:
* أحبُّ مطالعةَ القصصِ كثيرًا، ولا أجدُ وقتًا كافيًا للقراءةِ في المنزلِ، فعندما أعودُ أنجزُ أقرأُ المحاضراتِ وأنجزُ الأبحاثَ المطلوبةَ منّا ثمَّ أساعدُ والدتي في الأعمالِ المنزليةِ.
ضحكتْ سهامُ بسخريةٍ وقالتْ:
* طبعًا، فأنتم لا تملكون المالَ لإحضارِ خادمةٍ تساعدُ والدتَكِ في أعمالِ المنزلِ!
شعرتْ سهى بوخزةِ ألمِ في قلبِها، لكنّها تماسكتْ وأجابتْ بهدوءٍ:
* صحيحٌ أنّنا لا نملكُ المالَ الكثيرَ، لكنّنا نملكُ ما هو أثمّنُ منه… نملكُ الكرامةَ والقناعةَ والمحبةَ.
سادَ الصمتُ للحظاتٍ، وتغيّرتْ ملامحُ سهام، فقد أدركتْ أنَّ كلماتِها كانتْ قاسيةً ومؤذيةً. احمرَّ وجهُها خجلًا، ولم تجدْ ما تقولُه، فابتعدتْ وهي تفكّرُ في جوابِ سهى الذي أصابَها في أعماقِها.
ومنذُ ذلك اليومِ بدأتْ سهامُ تراجعُ تصرفاتِها، وأدركتْ أن قيمةَ الإنسانِ لا تُقاسُ بما يملكُ من مالٍ، بل بما يتحلّى به من أخلاقٍ وصفاتٍ نبيلةٍ. أمّا سهى فقد بقيتْ مثالًا للتواضعِ والصبرِ، وكسبتْ احترامَ الجميعِ بحسنِ خلقِها ورقيِّ تعاملِها.
العبرة:
ليسَ الفقرُ عيبًا ، بل العيبُ في التّكبّرِ واحتقارِ الآخرينَ فالأخلاقُ والكرامةُ هما الثّروةُ الحقيقيّةُ التي ترفعُ شأنَ الانسانِ وتُكسبُه احترامَ النّاسِ ومحبّتِهم.
* أديبة وناقد ة لبنانية



