
قراءة نقدية لقصيدة،، لوكنت ،،
قراءة نقدية أدبية ،،لقصيدة “لو كنت” للشاعر جورج عازار
*بقلم نوميديا حروفي
تأتي قصيدة “لو كنت” بوصفها رحلة وُجدانيّة وفلسفيّة في آنٍ واحد فهي تنطلق من أمنيّة إنسانيّة مُستحيلة: امتلاك سلطة على القدر ثمّ تنتهي إلى مصالحة ضمنيّة مع قوانين الحياة التي لا يستطيع الإنسان تغييرها.
إنها قصيدة تتأرجح بين الحُلم والانكسار، بين الرغبة في محو الألم والإيمان بأنّ النّور سيعود مهما طال اللّيل.
يفتتح الشّاعر نصه بشرطٍ افتراضي يحمل دلالة التمنّي والحسرة:
“لو كنت أملك في كفي
قياد القدر”
وهنا يضعنا أمام السّؤال الوجودي الأزليّ: ماذا لو امتلك الإنسان سُلطة إعادة كتابة مصيره؟
إنّ “لو” هنا في هذا السّياق ليست أداة شرط لُغوية فحسب بل هي بوابة إلى عالم الأمنيّات المستحيلة. فالشّاعر لا يُريد تغيير حدث بعينه وإنّما يسعى إلى محو الألم من جذوره، وإلغاء كلّ الدموع التي مرّت عبر التاريخ الإنساني فهي رغبة في إعادة خلق العالم أكثرُ رحمة وعدلا.
وتتجلّى قوّة الصّورة الشّعريّة في قوله:
“وألقيت أستاراً من ظلام
على ما قد مضى”
فالظّلام هنا لا يحمل دلالته السلبيّة المُعتادة وإنّما يتحوّل إلى وسيلة للنّسيان والسّتر وكأنّ الشّاعر يتمنّى أن يحجب الماضي المُؤلم خلف ستارة كثيفة لا تسمح للذّاكرة باستعادته.
ثمّ ينتقل النصّ إلى فضاء الذاكرة، حيث تتجسّد المرآة رمزاً للذّات وللانعكاسات الداخلية:
“ومسحت من صدر المرايا
كلّ الأطياف”
فالمرآة هنا ليست مُجرّد سطح عاكس وإنّما مُستودع للذّكريات والأشباح النّفسيّة التي تسكن الرّوح،ولذلك فإنّ محو الأطياف هو مُحاولة للتّخلّص من آثار التّجارب التي ما زالت تعيش في أعماق الذّات.
وفي أحد أكثر المقاطع تأثيراً يقول:
“وما تركت أغنيّتي يتيمة
تنوح على قارعة الزّمن”
تتحوّل الأغنية هنا إلى كائن حيّ مهجور، بينما يُصبح الزّمن طريقا موحشا، وهنا تتجسّد الوحدة في أبهى صورها الشّعريّة، فليس الحزن مُجرّد شعور فقط بل كائن متروك يبكي على هامش الحياة.
أمّا الوردة التي:
“يخنقها اليباس
وهي ترتجي في كلّ يوم
صوت المطر”
فتُمثّل الأمل الذي يرفض الموت،وتُعتبر صورة للرّوح الإنسانيّة حين تبقى مُعلّقة بانتظار الخلاص مهما اشتدّت قسوة الجفاف.
بعد ذلك يدخل النصّ مُنعطفا دراميّا حين يعترف الشّاعر بضياعه:
“لكنّني يوم الكريهة
أضعت دربي”
فيكتسب هذا الاعتراف بُعدا تراجيديّا عميقا، إذ لا يعود الحديث عن أمنيّات تغيير الماضي بل عن تجربة ذاتيّة عاشها الشّاعر بكلّ مرارتها.
وتبرز هنا صورة نجم سهيل بوصفه رمزا للهداية والاهتداء في الثّقافة العربيّة:
“وسهيل عنّي تاه واحتجب”
فحين يغيب سهيل، يغيب معه الاتجاه وتتحوّل الرحلة إلى تيه وجودي.
ثمّ يطرح الشّاعر سُؤالا فلسفيّا بالغ العُمق:
“قدر يقود شراعي حين أبحر
أم وسوسة الشياطين؟”
إنّه السؤال الأبدّي حول حدود الحريّة الإنسانيّة: هل نحن صُنّاع مصائرنا أم أسرى لقوى خفيّة أكبر منّا؟ ويترك الشّاعر السؤال مُعلّقا دون جواب لأنّ الغاية ليست الوصول إلى يقين وإنّما هي التّعبير عن الحيرة الإنسانية نفسها.
وفي المقطع التّالي يختصر رؤية كاملة للحياة:
“هي الأيّام تجري
بين منعرج ووهاد”
فالحياة ليست خطّا مستقيما بل تضاريس مُتقلّبة من الصّعود والهبوط، من الفرح والحزن ومن الأمل والانكسار،فيُعزّز هذا المعنى بقوله:
“والّدهر قلاب وغدار”
وهي عبارة تستدعي الحكمة العربية القديمة التي ترى الزّمن قوّة مُتحوّلة لا تُؤتمن.
وفي النّصف الثاني من القصيدة يتحوّل الخطاب تدريجيّا من التّشاؤم إلى الرّجاء، ويظهر ذلك من خلال سلسلة من الصّور الرّمزيّة:
البحر الذي يلفظ أشلاء الورود.
العنقاء التي تبسط جناح المحبة.
الغول الذي يغيب عن حكايات الأطفال.
الملاك الحارس الذي يتّخذ دوره.
وهذه الرّموز كلّها ليست اعتباطية بل تُشكّل معا مشروعا شعريا للخلاص، فالعنقاء رمز البعث بعد الاحتراق، والغول رمز الخوف الذي يزول، والملاك رمز الحماية الإلهية والطمأنينة.
وتبلغ القصيدة ذروة تفاؤلها في المقطع الأخير:
“وفي كل الملمات
يأتيك الخل الوفي
من حيث لا تدري”
هنا يستعيد الشّاعر إيمانه بالإنسان وبالمحبّة وبالنّجدة التي تأتي من حيث لا يتوقّع المرء.
إنها لحظة انتقال من العُزلة إلى الصّحبة ومن اليأس إلى الثّقة.
وفي الأخير:
“حينها تغسل الشمس وجه البسيطة
وتغازل وجه الحسان نسائم الصباح”
فهي تُمثّل ولادة جديدة للعالم، الشمس تغسل الأرض من أوجاعها والعصافير العائدة من سفرها البعيد تُصبح رمزاً للأرواح التي أنهكها التّيه ثمّ وجدت طريق الرّجوع.
وفي الختام يُمكن القول أنّ قصيدة “لو كنت” للشاعر المبدع جورج عازار ليست مُجرّد نصّ عن الحنين أو النّدم، بل هي تأمّل فلسفي في علاقة الإنسان بالقدر والزّمن والذاكرة.
فيبدأ الشّاعر بمحاولة التّمرّد على الماضي، ثمّ يمرّ عبر الاعتراف بالضّياع والحيرة ليصل في النّهاية إلى يقين هادئ مفاده أنّ الحياة رغم قسوتها قادرة على أن تمنح الإنسان فرصة جديدة للفرح.
إنّها قصيدة تتحرّك من ظلام الذّاكرة إلى ضوء الرّجاء، ومن الحسرة على ما كان إلى الإيمان بما سيكون ولذلك تبدو أقرب إلى رحلة روحيّة تتتبع مسار النّفس الإنسانيّة وهي تعبر من الانكسار إلى الأمل.
*( نوميديا جروفي)_ أديبة وناقدة جزائرية
وإليكم نص القصيدة
،،لو كُنتُ،،
لو كُنتُ أملكُ في كَفِّي
قيادَ القَدرِ
لألقيتُ أستاراً من ظَلامٍ
على ما قَد مَضى
وما قد عَبرَ
ومَحوتُ من التَّاريخِ
كُلَّ الدُّموعِ وما أبقيتُ
للجَوى في المُهجةِ
بقَايا أثرٍ
ومَسَحتُ مِن صَدرِ المَرايا
كُلَّ الأطيافِ
ومَزَّقتُ كل الذِّكرياتِ
ورسوم الصُّورِ
وما تَركتُ أُغنيتي يتيمةً
تَنوحُ على قارعةِ الزَّمنِ
ولا وَردتي وَحيدةً
يَخنقُها اليَباسُ
وهي تَرتَجي في كُلِّ يومٍ
صَوتَ المَطرِ
لَكنني يومَ الكريهةِ
أَضعتُ دَربي
وسُهيلُ عَني تَاهَ واحتجبَ
مُكرهاً مَشيتُ في طَريقٍ
أشواكُهُ حقولٌ والذَّنبُ فيهِ
أبداً لا يُغتفَرُ
قدرٌ يقودُ شِراعي حين أُبحرُ
أم وَسوسَةُ الشَّياطينِ
للرِّيحِ طَرَبٌ؟
هي الأيامُ تَجري
بين مُنعرَجٍ ووهادٍ
والدَّهرُ قَلَّابٌ وغَدَّارٌ
تارةً نحيبٌ
وفي النزرِ اليَسيرِ
حُبورٌ واستبشارٌ
تَخرِمُ آذانَ الَّليلِ
عَرَّافةُ التنجيمِ
ومنها إلى كُلِّ الهمساتِ
تُنصِتُ
عَاريةٌ رُوحي
وصَقيعُ الاِرتعاشاتِ
يَتغَلغلُ في جِراحاتي
والشَّمسُ في البَعيدِ
على بُيوتِ الخَفافيشِ
تُشرِقُ
غدأ حينَ يَغورُ المَوجُ
ويصمُتُ صَوتُ الطَّنينِ في المَدى
ويلفظُ البَحرُ
أشلاءَ الورودِ
الَّتي منذ بدءِ الدُّهورِ
اِبتلعَها
غداً حين يموتُ الجَّمرُ
في الأتونِ
وتَفرِشُ العَنقاءُ
جناحَ المَحبةِ
فوق مَناكِبِ المَسكونةِ
ويغيبُ شَبَحُ الغُولِ
عن حِكاياتِ الصِّغارِ
والمَلاكُ الحَارسِ
دورِ البَديل
يتخذُ
وفي كُلِّ المَلَمّاتِ
يأتيكَ الخِلُّ الوَفيُّ
من حيثُ لا تَدري
ولا تَحتسبُ
وأحاديثُ البومِ في الَّليالي الحَالكةِ
بُكمٌ
حينها تَغسلُ الشَّمسُ وجهَ البَسيطةِ
وتغازِلُ وَجهَ الحِسانِ
نسائمُ الصَّباحِ
وعلى وَجنَاتِ العَصَافيرِ
قَسَمَاتُ الحُبورِ
حين تَعودُ من سَفرِها البَعيدِ
سَوفَ ترتَسِمُ
بقلمي: جورج عازار




