
تنّور أمّي * بقلم سعدالله بركات
تنّور أمي …
. 
ماحان وقت عجين أمي والخبيز ، إلاّ وتبرّم دولاب أمّي ، لأنها ستتخلّف عن مصابحته لتنهي مهمة مضنية، منذ وعيت على ،، الدنيا،، كنت اسمع أمّي تردّد همّها عن حجز دور لخبزها في ،،تنور ،، أحد الجوار ، على قلتها وتباعدها ، وطالما كانت تفخر بأنّ عمّنا شحادة قرقور وعمّها أبا نظير مواس، كانا يؤكدان لأهل بيتهما أن يعطوها الأولوية ، كونها تربّي عيالا و مشغولة بأعباء البيت .
لم يكن في دارنا العتيقة مجال لبناء التنور ، ولمّا انتقلنا للدار الجديدة ، سرعان ما أمّنت مايلزم وباشرت ببنائها في مكانها المناسب شرقا ، مايقي نارها من الرياح وخطر الحريق ، وطالما تذكّر أولادي لذة خبزها ، وهي تناولهم رغيفا شهيّا شهيّا غيّبه خبز الأفران وما صار منسيّا .
لم تعد أمّي قلقة على مواعيد الخبز ، ولا على حرد دولابها ، صارت تتحكم بوقتها وتباشر هذه المهمة المتكررة بعدما تودّع دولابها راضيا مرضيّا بواجب يومي وأساسي كانت توليه الألوية ،على ماعداه من أشغال منزلية ، وهو ما كان يسعدها ، كما أسعدها أن يستفيد بعض جاراتها من تنّورها . وكان علينا جمع الحطب ،مع ما كانت تجفّفه من روث الحيوانات ، وحين توقد الشنان المتوافر بكثرة في أراضي البلدة ، كانت تبرّد رماده ليصير ال،، قلو ،، المفيد لنظافة الجسم خلا ل الحمام .
لم تهمل أمي تنّورها ، بل طالما أوصتنا بتأمين مايلزم لصيانتها ، ولم تسمح بإزالتها لما بعد سنوات من عدم الحاجة ، والاعتماد على خبز فرن البلدة .
*رحم الله محمود درويش الذي قال :(( أحنّ إلى خبز أمّي ))
** كاتب سوري أمريكي – من رواية دولاب أمي



