
& ليس للبيع & قصة د. ليلى صليبي
الوفاءُ لا يُباعُ
كانَ أبو يوسفَ رجلًا محترمًا، يُشارُ إليه بالبنانِ لصدقهِ وأمانتِه وحسنِ معاملتِه للنّاسِ. عُرفَ بمحبتِه لعائلتِه وإخلاصِه لها، وكانَ يعيشُ مع زوجتِه وولديه، يوسف وكمال، في بيتٍ متواضعٍ ورثَه عن والدِه، وكان يعتزُّ به كثيرًا لما يحملُه من ذكرياتٍ عزيزةٍ.
عملَ أبو يوسف سنواتٍ طويلةً في إحدى الشّركاتِ، حتىّ بلغَ سنَّ التقاعدِ، فغادرَ عملَه راضيًا شاكرًا اللهَ على ما أنعمَ به عليه. ورغمَ محدوديةِ دخلِه، حرصَ على تعليمِ ولديْهِ في المدرسةِ، لكنَّ ظروفَه الماديةَ بعدَ التّقاعدِ لم تسمحْ له بإكمالِ دراستِهما الجامعيةِ، فاضطرَ يوسفُ وكمالُ إلى تركِ الدّراسةِ والعملِ لمساعدةِ والديْهما وتأمينِ متطلباتِ الحياةِ.
وذاتَ يومٍ، شعرَتِ الزّوجةُ بتعبٍ مفاجئٍ، وفقدتْ شهيتَها للطّعامِ لكنّها أخفتْ مرضَها عن زوجِها وولديها حتّى لا تقلقَهم. ومع مرورِ الأيّامِ، ازدادتْ حالتُها سوءًا، ولاحظَ يوسفُ وكمالُ شحوبَ وجهِها وضعفِها الشّديدِ، وإعراضِها عن الطّعامِ. وعندما شعرتْ بأنَّ المرضَ لم يعدْ يُحتملُ، أخبرتْ زوجَها وولديها بما تعانيه.
أصابَ القلقُ أبا يوسفَ وولديه، فاصطحبَها في صباحِ اليومِ التّالي إلى المستشفى. وبعد إجراءِ الفحوصِ والتّحاليلِ أخبرَهم الطّبيبُ بأنَّها مصابةٌ بمرضٍ عضالٍ، وأنّها تأخرتْ كثيرًا في طلبِ العلاجِ، حتّى بلغَ المرضُ مرحلةً متقدمةً وانتشرَ في أنحاءِ جسدِها.
استنزفَ المرضُ كلَّ قواها، فأصبحتْ طريحةَ الفراشِ، ولم تعد تقوى على تناولِ الطّعامِ، فغدا جسدُها واهيًا كورقةِ شجرٍ في مهبِّ الرّيحِ.. استسلمتْ لقضاءِ اللهِ وقدرِه، وكانَ أبو يوسف يجلسُ إلى جانبِها، يساعدُها على الجلوسِ ويحاولُ إطعامَها، لكنّها كانتْ ترفضُ الطّعامَ. أمّا يوسفُ وكمالُ، فكانا، بعد عودتِهما من العملِ، يسهران على رعايتِها وتخفيفِ آلامِها.
وفي أحدِ الأيّامِ، شعرَتِ الأمُّ بأنَّ أجلَها قد اقتربَ، فاستدعتْ ولديْها، وأوصتْهما بأنْ يعتنيا بوالدِهما بعدَ رحيلِها، فقد ساورَها إحساسٌ بأنَّ ساعةَ الوداعِ قد أزفتْ. غلبَ الحزنُ الولديْنِ، لكنّهما أخفياه عنها حتّى لا يزيدا ألمَها، كما لم يخبرا والدَهما بما قالَتْ، خشيةَ أن يزدادَ قلقَه.
وبعد يوميْنِ، استيقظَ الشّابانِ فوجدا أمَّهما قد أسلمتِ الرّوحَ، بعدَ صراعٍ مع المرضِ دامَ أكثرَ من شهريْنِ. وكانَ والدُهما لا يزالُ نائمًا، فلمّا استيقظَ أخبراه بوفاةِ زوجتِه، فوقعَ الخبرُ عليه كالصّاعقةِ.
منذُ ذلكَ اليومِ، تبدلَتْ حياةُ أبي يوسفَ. فقدْ شعرَ بفراغٍ كبيرٍ بعدَ رحيلِ رفيقةِ عمرِه، وبدأتْ صحتُه تتدهورُ شيئًا فشيئًا حتّى أصبحَ طريحَ الفراشِ. عندئذٍ تركَ يوسفُ عملَه ليتفرّغَ للعنايةِ بوالدِه، بينما بقيَ كمالُ يعملُ، غيرَ أنَّ راتبَه الزهيدَ لم يكنْ يكفي لتغطيةِ نفقاتِ المعيشةِ والعلاجِ.
ومع اشتدادِ الضّائقةِ الماليةِ، عرضَ يوسفُ وكمالُ على والدِهما بيعَ المنزلِ واستئجارِ بيتٍ أصغرَ ليستطيعا تأمينَ تكاليفِ علاجِه. لكنَّ أبا يوسفَ رفضَ قائلًا:
«هذا البيتُ ورثتُه عن أبي، وهو آخرُ ما بقيَ لي من ذكراه. لن أبيعَه ما دمْتُ حيًّا، فإذا متُّ اصنعا به ما تشاءان.»
إلاّ أنَّ الشّابيْنِ وقد أثقلتْهما الظّروفُ، لم يلتزما برغبتِه. فنقلا والدَهما إلى مركزٍ لرعايةِ المسنين، ثمَّ عرضا المنزلَ للبيعِ وباعاه.
ازدادَ حزنُ أبي يوسفَ بعد انتقالِه إلى المركزِ، وكانَ يقضي أيّامَه يسترجعُ ذكرياتِه في البيتِ الذي شهدَ طفولتَه وشبابَه، واحتضنَ أجملَ سنواتِ عمرِه مع زوجتِه وولديْهِ. ولمّا علمَ بأنَّ المنزلَ قدْ بيعَ، شعرَ بأنَّ آخرَ ما يربطُه بماضيه قد انتُزعَ منه، فانكسرَ قلبُه، وازدادتْ حالتُه الصّحيّةُ سوءًا، ولم تمضِ سوى أيامٍ قليلةٍ حتّى فارقَ الحياةَ.
وقفَ يوسفُ وكمالُ أمامَ قبرِ والدِهما تغمرُهما الحسرةُ، وقد أدركا متأخريْنِ أنَّ البيتَ لم يكنْ مجرّدَ جدرانٍ وسقفٍ، بل كانَ تاريخًا وذكرياتٍ ووفاءً لوالدِه وأسرتِه. وشعرا بأنَّ تجاهلَهما رغبتَه الأخيرةَ وكسرَ خاطرِه قد عجّلا بانطفاءِ روحِه، فندما ندمًا شديدًا، لكنَّ الندمَ جاءَ بعدَ فواتِ الأوانِ.
العبرة:
ليستْ قيمةُ الإنسانِ فيما يملكُ، بل فيما يحفظُ من وفاءٍ وبرٍّ. فالوالدان، ولا سيّما في شيخوختِهما، يحتاجان إلى منْ يصونُ مشاعرَهما ويحترمُ رغباتِهما كما يحتاجان إلى الطّعامِ والدّواءِ. وقد تدفعُنا قسوةُ الظّروفِ إلى قراراتٍ نظنُّها صائبةً، لكنَّ الحكمةَ تقتضي ألّا يكونَ حلُّ المشكلاتِ على حسابِ كرامةِ الوالدين أو كسرِ خواطرِهما؛ فالكلمةُ الطّيبةُ والوفاءُ بوصاياهما خيرُ ميراثٍ، والنّدمُ بعدَ الرّحيلِ لا يُعيدُ الأحبّةَ إلى الحياةِ.
بقلم د.ليلى صليبي – أديبة وأكاديمية لبنانية



