دراسة نقدية ذرائعية ” لقصيدة أديب نعمة “ردّ على مطالب “*بقلم سمر الديك

Share

دراسة نقدية ذرائعية “الحجاجية وبلاغة المصالحة” في الشعر الحديث لقصيدة بعنوان “ردّ على مطالب ”
…..ردٌّ على مطالب
١
قدْ نتّفقْ
قدْ نختلفْ
قدْ نُنكِرُ الأمرَ الذي أدى إلى تفريقِنا
أوْ نعترفْ
٢
لكنّما الحبُّ الذي في القلب.يبقى ثابتاً
متماسكاً عنْ خطِّهِ
لا ينحرفْ
٣
إنْ كانَ قولُكِ في الملامِ تحبُّباً أهلاً بهِ
فتكلّمي
أو كانَ مطلبُكِ الصعيبُ جنايةً
فلْتعلمي
أنَّ الحبيبَ مُسامَحٌ عنْ أيِّ ذنْ _
_ بٍ يقترفْ
٤
أرجوكِ لا تدعي القلوبِ بنارِ ظنْ _
_ نكِ تحترقْ
أرجوكِ لا تدعي السهامَ شغافََ قلْ _
_ بي تخترقْ
أرجوكِ يا ضوءَ العيونِ ، ونورَها
لا تحسبي ردّي إليكِ تملُّقاً
إنَّ التملُّقَ في مصارفِ مُنْ أحبّوا
عملةٌ مغشوشةٌ
لا تنصرفْ
٥
أرجوكِ ، أمرُ الحبِّ باتَ اليومَ في
مقدورِنا
لا تسمحي للغيرِ أنْ يستأثروا
بشعورِنا
أو يعبثوا
بأمورِنا
فالعاذلونَ سيفرحونَ ويرقصونَ تشفيّاً
ويُعلِّقونً على حبالِ غسيلنا آثامَهمْ
فحذارِ يا زينَ النسا
أنْ ننكشفْ
٦
خلّي فؤادَكِ للوفاءِ وللمحبّةِ
ينصرفْ
ودعي القلوبَ لخمرةِ الحبِّ المعتّقِ
ترتشفْ
ودعي قلوبَ العاذلينَ منَ الحسادةِ
ترتجفْ
ولْنتّخذْ أرضَ الغرامِ فراشَنا
وسماءَ دنيا الحبِّ ليلاً
نلتحفْ
اديب نعمة
مدخل :
*توطئة للتعريف بالشاعر*
الأستاذ بروفيسور اللغة العربية الشاعر أديب نعمة سوري الأصل من مدينة حمص مواليد ١٩٤٨ حصل على الشهادة الثانوية ١٩٦٥ واهلية التعليم ١٩٦٦ اجازة جامعية من جامعة دمشق في الآداب قسم الشعبة العامة تلاها اجازة في اللغة العربية مارس التدريس في ثانويات حمص ومعاهدها بدأ كتابة الشعر وهوفي المرحلة الإعدادية نشر في الصحف والمجلات وشارك بالمناسبات الوطنية صدر له اربع مجموعات شعرية عن اتحاد الكتاب العرب إضافة لشعر مخطوط ربما تساعد الظروف على طباعته

*المستوى البصري* “العتبة البصرية “أول مايلفت النظر هو ثيمة القصيدة وهو عتبة دلالية ايحائيةفمنذ قراءة العنوان نجد أنّ هناك مطالب واستجابة في الرد وهذا منطق عاطفي متماسك كما سنرى لاحقاً

*البؤرة الأساسية الثابتة *وفيها نلمس ايديولوجية الشاعر الأدبية والفكرية فهو شاعر الغزل العذري الصادق إن صح التعبير حيث نلمس صدق العاطفة وعدم التصنع والمبالغة لأنّ القصيدة بُنيت على حوار يبدأ بالتوتر وينتهي بالطمأنينة وحُجاجية منطقيّة وهذا يمنحها حرارةً وتماسكاً وصدقاً فهذه القصيدة ليست نصاً عابراً، بل بناءٌ عاطفيّ محكم، يشتغل على بلاغة المصالحة وجماليات العتاب الرقيق، ويستعيد روح القصيدة العمودية الحديثة التي تمزج بين الإرث الكلاسيكي ونبرة وجدانية معاصرة.
ا
*لمستوى المتحرك الديناميكي *
كما نلاحظ أنّ القصيدة تقوم على تقسيم مقطعي (1-6)، وكل مقطع يحمل وظيفة دلالية محددة:
• المقطع الأول: تأسيس ثنائية الاتفاق/الاختلاف، والاعتراف/الإنكار.
• المقطع الثاني: تثبيت مركزية الحب بوصفه الثابت الوحيد.
• المقطع الثالث: تبرير العتاب وتلطيفه.
• المقطع الرابع: التحذير من الظنون وتأكيد صدق النية.
• المقطع الخامس: مواجهة العاذلين ورفض تدخل الآخرين.
• المقطع السادس: خاتمة تصالحية تُعيد الحب إلى مركز المشهد.
هذا التقسيم يمنح القصيدة إيقاعاً سردياً، وكأن الشاعر يقدّم “مرافعة وجدانية” تتدرج من التوتر إلى الصفاء.

*المستوى اللساني والجمالي *
برع الشاعر في لغته الشعرية والصور الفنية بشكل كبير
اللغة هنا مباشرة، سلسة، غير متكلّفة، لكنها تحمل في طياتها صوراً جميلة:
• ثبات الحب: “لا ينحرف” — صورة هندسية تُجسّد الاستقامة العاطفية.
• الظنون نار: استعارة قوية تُحوّل الشك إلى عنصر حارق.
• السهام تخترق الشغاف: صورة كلاسيكية لكنها موظفة بصدق.
• خمرة الحب المعتّق: صورة صوفية/غزلية تمنح النص عمقاً وجمالاً.
صحيح أنّ الصور ليست مبتكرة بالكامل، لكنها مُحكمة ومتناغمة مع نبرة القصيدة.
حيث نجد إيقاع القصيدة وموسيقاها ولحنها الذي يشنّف الآذان يعتمد على إيقاع قريب من الكامل في بعض المقاطع، لكن الشاعر لا يلتزم التزاماً صارماً بالبحر، بل يكتب على إيقاع عمودي مرن هذا يمنح النص موسيقى داخلية واضحة
انسياباً في الجمل
قدرة على احتواء العاطفة دون تكلّف

*الخلفية الأخلاقية للشاعر *
ملتزم بثوابته الأخلاقية تجاه محبوبته شاعر غزلي صادق ينضوي تحت خيمة الالتزام الأخلاقي حيث اعتمد على البنية الحجاجية (الخطاب العاطفي)
الذي يقوم على منطق عاطفي متماسك:
نختلف — لكن الحب ثابت
نعاتب — لكن العتاب محبة
نُخطئ — لكن الحبيب يسامح
يظنّ الناس — لكننا نعرف الحقيقة
يتدخل العاذلون — لكننا نغلق الباب
نعود إلى الحب — لأنه الأصل
هذا البناء يجعل القصيدة خطاب مصالحة بامتياز، لا خطاب فراق.

*التقييم الذرائعي النهائي*
– المقروئية: عالية جدًا، بفضل وضوح اللغة وصدق الشعور.
– الأثر الجمالي: توليفة ناجحة بين البلاغة والانفعال.
– القيمة الأخلاقية: سامية، تستند إلى المحبة والوفاء والصدق والإخلاص
– القيمة الفنية: تعتمد على التوازن بين الشكل والمضمون، واستخدام الحوار بشكل مباشر يخدم خطابًا جمعيًا واضحًا.
*خاتمة: *
برأيي بعض الصور مستهلكة في الشعر العربي (السهام، الشغاف، العاذلون)، لكنها موظفة بصدق ويمكن إضافة صور أكثر حداثة.
كما أنّ المقطع الخامس طويل نسبياً مقارنة ببقية المقاطع، ويمكن ضغطه قليلاً.
القصيدة بشكل عام تنتمي إلى الغزل العاطفي الهادئ، وتذكّر بروح شعراء مثل البحتري وعبدالله الفيصل ونزار في بعض نبراته، لكنها تحتفظ بصوت خاص يقوم على:المصالحة
التطمين
تثبيت الحب
رفض تدخل الآخرين
إعادة بناء الجسر بين الحبيبين
إنها قصيدة تصالحية، وجدانية، صادقة، تُقرأ بسهولة وتترك أثراً لطيفاً في النفس.
*************************************
سمر الديك/فرنسا-سوريا