
الشريد * يعقوب طحان
((الشريد))
شَريدُ الدَّارِ و ما صَنَعَ بِهِ الزَّمَنُ
افْتَرَشَ الهَمَّ طوعاً مُتَّشحاُ بِالوَسَنِ
نَفْسُهُ كئيبَةٌ وَقَلبُهُ غارِقٌ بغياهبِ الشَجَنِ
تائهٌ شاردٌ لا أهلَ لَه ولا وَطَنَ
و هوَ جَنَينٌ وقَبْلَ أَنْ يرَى النورَ الحَسَنَ
فَقَدَ والِدَهُ بينَ ثَنايا التراب وطيَّاتِ الكَفَنِ
كانَ قَد خَرَجَ ليَجلِبَ القوتَ والخُبْزَ والمؤَنَ
صَرَعَهُ المَوتُ ودُفِنَ ضمن أجداثِ المَدْفَنِ
و لِدَ الشريدُ لا أبَ لهُ يَسنُدهُ بِالمِحَنْ
لا أخاً يسانِدُه ولا قَريباً يَعْضُدُهُ ولا لهُ مسَكَنُ
أُمُّهُ تَقوتُهُ من قوتِ خُبزٍ مَمزوجٍ بالعَفَنْ
يَعيشانِ فَقْراً مُدْقَعاً وعِوَزاً شَديدٍاً مُدْمِنَ
بِعاصِفَةٍ هَوجاءَ مِنَ الدّمارِ المُزْمِنِ
وبحربٍ شَعواءَ فَصَلَتْ الأمَّ عَنِ الابنِ
استيقَظَ على أمَلِ أمٍّ تَحضُنُه وتُرضعهُ اللَّبَنَ
وآسفاه.. جَفَّ الحنانُ ورَحَلَتْ دافئةٌ الحُضْنِ
في كوخُهُ المُنحَني عاشَ بؤساً وظلمةَ السُجْنِ
هَدَمَتْه قَذائِفُ هجومٍ أرعَنِ
عاشَ طفولتَهْ في بيُتٍ مٌهَدَّمِ الرُّكنِ
تَحتَ سَقْفٍ متكئٌ على جدارٍ مٌحْزِنٍ
ترَعْرَع بين الأشجارِ و الأحْجارِ راضٍ مطمئن
سارَتْ بِهِ الأَيَّامُ وتّقّبَّلَ الواقِعَ طائعٌ مؤمنُ
يَقتاتُ من البراري والطيورِ وَشَفَقَةِ المُحسِنِ
يَتَغَنَّى بأطلالِ بيت محَطَّمٍ إقْفَرَّ مِنَ السَّكَنِ
وبِظلِّ ذكرى أمٍّ رؤومٍ فقد فيها الحنان الأحنِّ
وبِعِطرِ أبٍ أَصبح طيَّ النسيانْ لم يُزمِنَ
يَحْلُمُ بِعائِلةٍ ملؤها السعادَةُ والأمانُ فيها مهَيمنُ
لكنَّ الأَمَلُ باللهِ مزيلِ الهمومِ والدَّجَنِ
اتَّكِلُ عليه ليرفع عَنْهُ البؤسَ والحُزنِ
بالرغم من أنَّ طعامَهُ ممزوج بأتعاب الغَضَنْ
برضائِهِ بِقسمةِ اللهِ رفع من قلبه الذُّلَّ والوهنَ
_____________
* الأب يعقوب طحان – شاعر سوري سويدي




