عن رواية (خلف ستائر فيينا )*سعدالله بركات

Share

من أدب الاغتراب  ،، خلف ستائر فيينا ،، رواية لوريس فرح

& كتب سعد الله بركات

حين كنت أوثّق لرواد القرى الصددية في أي مجال ,  سرّني انضمام قلم جديد لمبدعي الأدب  ، سيما وأنه أول  قلم نسوي صددي يلج عالم الرواية ،  بعنوان لافت ،،خلف ستائر فيينا ،، لابنة صدد المغتربة لوريس فرح ،  لكني أسفت  لعدم تمكّني من معرفة تفاصيل ، ، لم يكن صدى الرواية أخذ مداه بعد ، و لم أكن من أهل الفيس ،  والتقصي لم يسعفني ، فتمّ التنويه بهما ، حتى فاجأني الصديق الغيور م. جورج مواس بواحد من منشوراته اللافتة قبل أيام ، عن جلسة ثقافية مع مبدعتنا في ربوع صدد، وزوّدني بمفاتيح  بحث سرعان ما أدهشني أنها تحتضن ملكة القصيدأيضا ولعلها لا تتاّخر  بنثر عطر شعرها ،  فالمقالات  عنها في غير منصة عربية ، وبأقلام وازنة  في حقل الأدب تعلي من أهمية الرواية وقلم كاتبتها ، على نحو ماكتب  الإعلامي والشاعر اللبناني زاهي وهبي  في كلمة على الغلاف  ونشرتها منصة،، ميزان الزمان ،،:(( بلغةٍ بسيطة سلسة تكتب لوريس فرح باكورتها الروائية “خلف ستائر فيينا”، مبتعدةً عن التكلّف والزخرفة والمبالغة في الإنشاء.قارىء روايتها الأولى يشعر أنه يصغي لحديث هادىء ، كأن أحداً يحكي له حكاية،.. لكن بساطة المظهر لا تعني بساطة الجوهر، لأن الكاتبة تُقدِّم لنا شخصيات روائية تتنازعها الميول والأهواء، وتعيش صراعات داخلية ضارية تجعلها دائماً في المهبّ وعلى الشفير)). ويضيف  وهبي  إنها : ((باكورة روائية تكشف ما خلف الستائر والمصائر، وتدعو قراءها إلى إزاحة تلك الستائر ومرافقة شخوصها في رحلة صراعهم مع أنفسهم  مصائرهم )).

& الرواية من إصدارات دار كنانة للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، ط1، 2021، وتقع في 250 صفحة من القطع المتوسط..وتدور أحداثها بين دمشق وفيينا .

وتتكلم حسب المنصة ذاتها ، عن صراع بين الرغبة والحب والممنوع والأخلاق والتضحية والخذلان .. عن النفس البشرية  وتناقضاتها ، فضلا  عمّا يمكن للإنسان أن يكون عليه لو وضع بظروف غير ما كان يتوقع .. وكيف أن للقدر قراره في أحيان كثيرة .. و تقارب علاقات الحب داخل وخارج إطار الزواج . عبر قصص حب  بين خمسة أشخاص مترابطين ببعضهم  .

وهي رواية واقعية عن اختلاف الثقافات‎ حسب  ما كتب الناقد  أيمن صالح في ،إرم نيوز ،، : تجمع بين الفكر الشرقي ونمط العلاقات في المجتمع الغربي، من خلال الإضاءة على علاقات شائكة أبطالها عرب في مدينتي دمشق وفيينا

وتبدأ الرواية بتضحية شابة سورية بقصة حبها؛ لعدم قدرتها على الإنجاب لأسباب صحية، ولعلمها بولع محبوبها بالأطفال، فتدخل أنثى أخرى على الخط الدرامي للعمل.

وفي الرواية يكاد المتلقي يلامس ذروة الحدث، التي يظنها الأقوى، ليتفاجأ في كل مرة بتسربها من بين أصابعه، ويجد نفسه أمام ذروة جديدة أعنف وأقسى، تخالف توقعاته وصولا إلى نهاية مفتوحة تحفّز خيال القارئ وتدفعه دفعا إلى التورط في الأحداث.

نعم نهاية مفتوحة لفتت الناقد مقبول الرفاعي  فكتب في ،،حرف ٢٨ ،،:(( بدأتها بالإثارة  و أنهتها  بالإثارة نفسها، وفتحت سؤالا كبيرا لم يستطع القارئ الإجابة الصريحة عليه.)) لكن ذلك مقصود ففي حديث خاص لـ”إرم نيوز” ، قالت الفرح:  “فضلت ككاتبة الوقوف عند نهاية مفتوحة، لأترك مساحة للقارئ للإجابة على سؤال النهاية غير المباشر، الذي يتلخص بمن؟ على الرغم من احتمال استفزاز القارئ، في بحثه الحثيث عن الإجابة على التساؤلات التي تطرحها الحبكة بما يرضي نهمه المعرفي، ولكنني قررت عند نهاية العمل ألا أترك الحكم لي بل أشرك المتلقي فيه”.

وعن حافزها لتأليفها الرواية، أضافت الفرح: “نبعت فكرة الرواية من الواقع الحالي الذي نعيشه وكمية التعقيد التي ظهرت حديثا في علاقاتنا، خاصة علاقات الحب والارتباط والزواج والمفاهيم الجديدة التي ظهرت، وتخالف بشدة ما كان عليه الوضع قبل حقبة من الزمن”.

موضحة  أن “في الرواية ما تراه في الظاهر خيانة قد تغير رأيك به عندما تطلع على حقيقته، وما تراه حقا قد تراه باطلا في نهاية المطاف، وما تراه رد فعل طبيعي تراه كارثة فيما بعد. جميع القراءات محتملة في العمل، ولذلك جعلت النهاية مفتوحة لأبقي على انفتاح الاحتمالات ومنح القارئ فرصة اختيار النهاية بما انتهى هو إليه بعد رؤيته الشكل الجديد الذي قدمت به شخوص روايتي وأحداثها”.

وتتابع ،، المنصة ذاتها أن ((أسلوب الكاتبة اتسم باللغة القوية الفصيحة، فاردة للوصف مساحة في ثناياها؛ تقول في الرواية عن الصراع بين الرغبة والأمانة: “سيستسلم فقط لحظة واحدة، وسينصهران نشوة، ويجرفان معهما كل شيء؛ المنطق واللامنطق ،ما إن لامست أصابعه صدرها عندما أمسك القميص حتى سقطتْ دمعة من عينيه فوقها كأنها عود ثقاب أضرم النار فيها، فانتفضتْ بين يديه مزلزلة ثباته معيدة إياه إلى صحوته، وجمعت الرواية بين متانة السبك وقوة الحدث في إطار من التشويق،

خديجة مسروق كتبت في صحيفة  الرأي الأردنية:((كانت حبكة النص على طريقة حبكة الرواية الكلاسيكية متسلسلة تسلسلا منطقيا منسجما، مع وجود السارد العليم الذي يملك القدرة على الوقوف على الأبعاد الداخلية والخارجية للشخصيات ورصد تحركاتها، والثيمة المهيمنة على النص هي التضحية المثالية  لأبطال الرواية :

 «ريم» و”تيم»  فنانان تشكيليان عاشقان، من عائلتين سوريتين ثريّتين، تتنقلان بين سوريا وفيينا . أهدى «تيم» حبيبته «ريم» في عيد ميلادها ٢٥، نقشا خط عليه بالألمانية: «أنت ضلع من ضلوعي.. انتشلت منه وإليه تعودين». ومع اقتراب زفافهما يلح «تيم» على خطيبته المريضة بالقلب، أن تزور الطبيب اطمئنانا على صحتها، و يتفاجآن بنتيجة صادمة  قضت على أحلامهما. فـ”ريم» ليس بإمكانها أن تنجب لخطورة ذلك على صحتها.«تيم»  كان مولعا بالأطفال حدّ الجنون ، وعليه أن يضحّي بحلم الطفل  أو يضحّي بحبه الكبير لـ”ريم»، التي عشقته بكل جوارحها وتواعدا على ألا يفترقا، لكنها تجد نفسها بين نارين، أن تضحّي بحبها لأجل «تيم»، أو تكمل مشروع زواجها منه، فتكون  أنانية، والحب لا يستقيم مع الأنانية .يضعها والد «تيم» بين خيارين، إذا قبلت بالزواج من ابنه فلن يقبل يوما أن يراهما يتبنيان طفلا ليس من صلب ابنه.  اختفت «ريم» بآلامها أياما، وابتلعت أوجاعها، ». وكان قرارها حاسما،بالاستسلام لقدرها، فطلبت منه إلغاء فكرة الزواج بها  وتترى فصول الأحداث مأساوية  لكن ليس من دون اجتراح التفاؤل .وتحت ضغط «ريم» يتزوج «تيم» بـ”لين»، وهي فتاة من عائلة ثرية محافظة، علمت «لين» بعلاقة «تيم» المقيم بـفيينا بـ”ريم»، لكنها قبلت به، لتتخذه تذكرة عبور لأوروبا وتتخلص من قيود والدها. فتواصل دراستها بألمانيا قرب  النمسا،  وفي غياب«تيم» تنشأعلاقة بين زوجته وأخيه «رامي» تكشفها  غيرة  «تالا»  صديقته ليحدث شرخ في العلاقة بين الأخوين، ومع إعلان خبر حمل «لين» تفارق «ريم» الحياة ، وأمام ما يمزق قلب «تيم» امتدت  يد أخيه «رامي،،  لتنتشله .

وتضيف الناقدة  المسروق:٠(( استطاعت الروائية  فرح صياغة دراما سردية داخل نصها، وكان للُّغةِ سطوتها في حبكة الرواية بصورة شاعرية عذبة تؤكد للقارئ أنه أمام تجربة روائية ثرية ومتكاملة. فيما توزعت الأدوار على أبطال الرواية بشكل محكم ودقيق..وهي اعتمدت الروائية على فنية السرد  البطيء مع اشتغالها على عنصر المفاجأة الذي من شأنه أن يدهش القائء ويخلق فيه بعض التشويش، الأمر الذي أضفى جمالية متفردة على نص الرواية..لوريس الفرح تعرض للقارئ فلسفتها في الحياة.. هل بإمكاننا العيش دون انتماء لشيء؟ هل بإمكاننا الاستعاضة عن الحبّ بالحياة؟ .قارئ الرواية يشعر أنه أمام سيناريو يستحق أن يجسَّد فيلما سينمائيا، إذ ينحو النص بفنيته وحواراته إلى السينما أكثر منه للرواية ،وكان للعناصر الثقافية حضورها ؛ كعنصر التاريخ الذي وقفت عنده الروائية عبر محطات عدة بدت فيها مؤرخة.مثل حديثها عن امبراطورة النمسا وقصة زواجها. وعن بعض المعالم التاريخية بالنمسا ، وعن تعرُّف الأوروبيين على القهوة لأول مرة في عام 1683.، كم كان للشعر حضوره  إذ تستفح الروائية كل جزء من أجزاء الرواية بمجموعة من الأسطر الشعرية، تدعم بها سرديتها وتؤكد أنها في الأصل شاعرة. لوريس الفرح وُفِّقت في وضع حبكة سردية متكاملة، تجعل القارئ يشعر كأنه أمام لوحة فنية رسمتها يد خبيرة في صنع الجمال بكل شاعرية متفقة مع  ماكتبه مقبول الرفاعي من النمسا :(( أغلب فصول الرواية تبدأ الكاتبة لوريس بإبداعها كشاعرة كأنما تأتي بالقارئ عبر حديقة غناءة  تأخذه الى فصل الرواية القادم وهو مستمتع بورودها وأريجها  المنثور فوق الأوراق. قبل أن يضيف : ((حين تقرأ العنوان يتملكك الفضول والتحليل والتنبؤ، يأتي لك الخيال من كل اتجاه..ولا يستطيع القارئ أن يتنبه من  أن ما يقرأه حلم أحد أبطال الرواية أم أنه يمارس تلك الحقيقة، تلعب بذكاء منقطع النظير في إدخال مشهد الحلم بالحقيقة، ، فالرواية كلاسيكية حديثة، مزجت هكذا، وكأنها تُنشئ مدرسة جديدة أرادت أن تقول انها مدرسة لوريس الفرح .
تدخل الى مشاهد الرواية عبر24 فصلا  رئيسيا، لا تدري كيف خطفتك لتضعك في التفاصيل الدقيقة للمشهد التالي، وفي عمق الحدث  بأسلوب مذهل  ،
  ويقول الناقد الرفاعي  :((تفردت الكاتبة لوريس بين قرنائها باللغة الفصحى ، ولم تستسلم لضغط استخدام المفردات ( العامية ،و غاصت الكاتبة في حوارات تزيد القارئ كنوزا معرفية ، تستطيع أن تخرجك لوهلة من أجواء السرد القصصي،، الى أجواء الحوار الثقافي، فتكسبك معارف ، لاتجدها إلا في كتب الادارة والقيادة، وصناع الحياة. 

&& وتحت عنوان سردية التضحية وكلاسيكية البناء الفنّي في رواية خلف ستائر فيينا للروائية لوريس الفرح Loures Farah كتب  إبراهيم رسول في جريدة الحقيقة العراقية الورقية  فتوقّف :((عند الاتكاءُ على بلاغة الصورة المعنوية للأنثى مع الصورة الحسّية ,إذ تقول : إن دعتك الحياة فلا تقطب لها جبينك , رافقها وكأنها حسناء تعدك بليلةٍ حمراء, مخضّبة بالشغف,, هي الحياة.. كالأنثى لا تقبل أنثى سواها فيك. ( الصفحة 7).

اعتمدت الكاتبة على بلاغتها وسعة الجملة العربية عندها, فالمفردات أو بناء الجمل كان ينفتحُ على العديد من الصور التأويلية التي تكثر كلّما كان بريق الجملة يحتاج إلى تدفق المعاني والمفردات ..فالاشتغالُ  على هكذا نوع من السرد, يحتاجُ إلى لُغةٍ أنيقةٍ, فلغة الرواية, كانت متناسقة تمامًا مع طبيعة السردية العامة للرواية. إلا أن رواية خلف ستائر فيينا, لجأت إلى الوصف لا إطنابًا ولا اختصارًا, جعلت من الوصف , لحظةَ استراحة , فهي لا تتكلف ولا تبالغ كانت الروائية لوريس الفرح, تكتب للإنسانية عبر خطابٍ مباشرٍ, فهي لا تريد أن تكون روايتها مستهلكة في القراءة الأولى! إنّ كل ما يُكتب للإنسانية سيبقى خالدًا .

**  ختاما إنّنا أمام رواية تقرأ ، وكاتبة موهوبة واعدة بالمزيد ولعله شعر 

& كاتب وناقد سوري أمريكي===============