لعبة القدر قصة بقلم د. ليلى صليبي

Share

لعبةُ القدرِ قصة بقلم د. ليلى صليبي

في قريةٍ وادعةٍ على تخومِ الحقولِ ، كانَ يعيشُ رجلٌ مع زوجتِه في بيتٍ صغيرٍ يضجُّ بالصّمتِ أكثرَ ممّا يضجُّ بالحياةِ.
سنواتٌ طويلةٌ مرّتْ عليهما، وهما يزرعان الأملَ في أرضٍ لم تُنبتْ طفلًا، حتى صارَ الدّعاءُ رفيقَ ليلِهما الوحيدَ.

في صباحٍ غائمٍ، بينما كانَ الزّوجُ خارجَ البيتِ تسلّلَ إلى سمعِ الزّوجةِ بكاءٌ خافتٌ، كأنّه نداءٌ من قلبِ الغيبِ.
تردّدتْ لحظةً، ثمَّ فتحتِ البابَ ببطءٍ، فإذا بطفلٍ رضيعٍ ملفوفٍ بقماشةٍ بسيطةٍ، موضوعٍ عندَ العتبة.
نظرتْ يمينًا وشمالًا، علّها ترى أثرًا لروحٍ تركتْه، لكنَّ الطّريقَ كانَ خاليًا، والريحُ وحدَها تمرُّ.

انحنتْ نحوهُ، حملتْه بين ذراعيْها، فهدأَ بكاؤُه كأنَّه وجدَ مأواه أخيرًا.
دخلتْ به إلى البيتِ، وقلبُها يرتجفُ بين دهشةٍ وفرحٍ، كأنَّ القدرَ قد طرقَ بابَها أخيرًا بعد طولِ انتظارٍ.

عندما عادَ الزّوجُ، لمحَ الطّفلَ بين يديْها، فتوقّفَ مذهولًا، وسألَها بصوتٍ تختلطُ فيه الحيرةُ بالرَّجاءِ:
— من أينَ جاءَ هذا الصّغيرُ؟

روتْ له الحكايةَ، بكلِّ ما فيها من دهشةٍ ورهبةٍ، فجلسَ صامتًا لحظةً، ثمَّ نظرَ إلى الطّفلِ ، وابتسامةٌ دافئةٌ تتسلّلُ إلى وجهِه.
قالَ بهدوءٍ عميقٍ: لعلَّها هديةٌ جاءتْ متأخّرةً، لكنّها جاءتْ في وقتِها.

ضمّا الطّفلَ إليهما، كأنَّهما يضمّان عمرًا ضائعًا، وشكرا اللهَ الذي لم ينسَ قلبيْنِ صابريْنِ.
ومنذُ تلك اللّحظةِ، تغيّرَ صمتُ البيتِ، وصارَ لكلِّ زاويةٍ فيه نبضٌ جديدٌ.

وهكذا، حينَ يعجزُ الإنسانُ عن فهمِ طرقِ القدرِ، يكشفُ له الزّمنُ أنّ بعضَ العطايا لا تأتي حين نطلبُها،بل حين
نصبحَ مستعدّين لاحتضانِها بكلِّ ما فينا من إيمانٍ.

#أديبة وأكاديمية لبنانية