
قراءة في نص سعدالله بركات ،، عريشة أمي،، * بقلم د.ليلى صليبي
قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لنصِّ” عريشةِ أمي” للكاتبِ والصحافي ” سعدالله بركات ،،
*بقلم د.ليلى صليبي.
هذا النصُّ ليس مجرّدَ استعادةِ لذكرى “عريشة”، بل هو استعادةٌ لسيرةِ أمٍّ كاملةٍ، اختزلَ الكاتبُ فيها فلسفةَ الحياةِ الريفيةِ القائمةِ على العملِ والصبرِ والإثمارِ. فالعريشةُ هنا تتحوّلُ من نباتٍ يظلّلُ الدارَ إلى رمزٍ للأمِّ نفسِها؛ كلاهما يمنحُ الظلَ والعطاءَ، وكلاهما يواصلُ حضورَه حتى بعدَ الغيابِ.
يلجأُ الكاتبُ إلى السردِ بذاكرةٍ حميمةٍ، تتدفّقُ تفاصيلُها بعفويةٍ محببةٍ، فتغدو الأدواتُ المنزليةُ البسيطةُ؛ من الدولابِ إلى التنورِ والبئرِ والحنفيةِ، علاماتٍ زمنيةً ترصدُ تحولاتِ المكانِ والإنسانِ. وما يلفتُ في النصَّ أنَّ الأمَّ لا تُقدَّمُ كونُها شخصيةً عابرةً، بل بوصفها قوةً خالقةً للحياةِ، تنقلُ الدارَ من فراغٍ ترابيٍّ إلى فردوسٍ صغيرٍ تتعانقُ فيه العرائشُ والأشجارُ والثمارُ.
وتكتسبُ العريشةُ بعدًا رمزيًّا متناميًا؛ فهي تمتدُّ مع امتدادِ تجربةِ الأم،ِّ وتتكاثرُ كما يتكاثرُ أثرُها في الأسرةِ، حتى تصبحَ كلُّ شجرةٍ غرستْها شاهدًا على يدٍ لم تعرفُ إلاّ البناءَ. ولعلَّ أجملَ ما في النصِّ هذا التماهي بين الأمِّ والطبيعةِ؛ فكلما ازدادَ اخضرارُ الحديقةِ ازدادَ حضورُ الأم،ِّ حتى إذا غابتْ بقيتِ الأشجارُ تؤدّي دورَ الذاكرةِ الحيّةِ.
أمّا الخاتمةُ، حيثُ يعودُ الكاتبُ إلى الدارِ في الغربةِ، فتبلغُ ذروةَ الشجنِ. فمشهدُ العريشةِ الذابلةِ لا يرثي نباتًا ذوى، وإنّما يرثي زمنًا كاملًا انطفأَ برحيلِ صاحبتِه. ويأتي المقطع:
“عريشة الدار لا تبكي…
فالبكا مرّ الحنين…”
ليختزلَ وجعَ الاغترابِ، ويجعلَ من العريشةِ كائنًا حيًّا يشاركُ أبناءَ الدارِ حنينَهم وانكسارَهم.
لغةُ الكاتبِ” سعدالله بركات” تمتازُ بالبساطةِ الصادقةِ، البعيدةِ عن التّكلّفِ، وتستمدُّ جمالَها من حرارةِ التجربةِ وصدقِ الذاكرةِ أكثرَ ممّا تستمدُّه من الزخرفةِ البلاغيّةِ. لذلك يصلُ النصُّ إلى القارئِ بيسرٍ، ويوقظُ في داخلِه ذاكرةً مشابهةً عن أمٍّ أو بيتٍ أو شجرةٍ أو زمنٍ مضى.
إنَّ “عريشة أمي” نصٌّ إنسانيٌّ دافئٌ، يحتفي بالأمِّ باعتبارِها صانعةَ المكانِ وحارسةَ الحياةِ، ويؤكّدُ أنَّ الأشجارَ التي نغرسُها ليستْ مجرّدَ نباتاتٍ، بل هي امتداداتٌ لأرواحِنا، وأنَّ البيوتَ لا تحفظُها الجدرانُ، بل تحفظُها الأيدي التي زرعتْ فيها الحبَّ قبلَ أن تزرعَ فيها الشجرُ.
دُمتُم مبدعًا ، لكم منّي خالصُ التقديرِ والاحترامِ 🌹🌹
* أدبية وأكاديمية لبنانية
وهاكم رابط النص




