
من شُرفة الدهشة / الأديب عيسى أحمديني
(“من شُرفة الدهشة”)
………………………………..
تتحركُ عرباتُ الوقتِ وئيدةً
تنأى بي عن شواطئ الذكرى. تقذفني على ضفافِ مسرّةٍ نادرة. هناك، في الجهةِ المقابلةِ من نهرِ الطّيب، حطّت لينا.
أنتشلُ اليومَ من أضواءِ العابرينَ المفاجئةِ لأغصاني غيماً؛ كسحابٍ كثيفٍ مرّ على روحي من بينِ جمرِ البشر.. كغيمٍ ومطر! كانت صدفةً مدهشةً تركتْ في الوجدانِ أثراً لا يزول، لأنها ببساطة.. نبعُ الحياة.
أقبلت أضواءَ احتفالٍ باذخٍ نبتَ فجأةً في عيونِ القلب. أشهى من طعمِ حلوى العيد في مواسمِ الخيرِ والعطاء .
لم تكن مجردَ عابرةِ سبيلٍ مرّت بالروح. كانت لينا نبضاً يفيضُ بدهشةٍ مذهلة. شمسٌ استثنائيةٌ تمشي على قدمين
لا تكتفي بملكوتِ السماء
تنحدرُ عميقاً لتُضيءَ مجرّاتِ الداخلِ المظلمة..
تتسلقُ جدرانَ الأرواحِ المتعبةِ بصمتٍ مقدّس. تعرشُ ياسمينةً يمتدُّ بياضُها النقيُّ ليُطهّرَ الشرايين.
هي أولُ عشبٍ أخضرَ يبتكرُ طريقَهُ عنوةً من بينِ شقوقِ الصخور الصمّاءِ،
ليُعلنَ قيامةَ الحياة.
من نافذةِ الأيام العابرة،
تطلُّ لينا روحاً مخلِّصة ترمّمُ برفقٍ
ما تهشّمَ من مرايا حيلةِ الآخرين
تجمعُ من شتاتِ المنافي المعدمةِ والباردةِ ضوءاً يافعاً. يهتدي به السائرونَ في عتمةِ الحيرةِ نحو بياض قلبها
فتاة حرةٌ، مشعةٌ، ومهابة. هي الماءُ
العذبُ الزلالِ يتوضأُ بندى طهرِها العابرون. يقيمون في رحابِ نقائِها صلاةَ قربٍ طاهرة. الصادقونَ أشباهُها هم جنةُ اللهِ على أرضه. فردوسُ الدنيا المؤجّلُ الذي تبحثُ عنه الأرواحُ المتكسرة لتستريح.
ثمة أرواحٌ يسكبها القدر في دروبنا غيثاً. لا تملك إلا أن تُزهر بالخير أينما حلّت. يتقدمون بخطى ثابتة ليرمّموا شروخ الآخرين . يجبرون ما أتلفه ضيق الحال في صدور المتعبين. ينحازون بقلوبهم ومحبتهم لصفّ الضعيف والمحتاج. يغمرون العتمة بالضوء. يظلون ثابتين على خطى الوفاء، مهما تغيّرت الفصول وتبدلت الوجوه. يتقدمهم يقينٌ دافئ أن أحبَّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ.
من دُرجِ الوشوشاتِ الأبهى، أنتشلُ إسمها رهينَ خبيئةُ الشعور الطارئ؛ فلم تكن عابرة عادية يذروها الريح، بل كانت “مرآةَ روحٍ” صقيلة، يُفتشُ السائرون عن بياضِ قلبِها النقيِّ في ملامحِ الوفاءِ الخالد. هناك.. حيثُ أدركتِ برهافةِ حسّكِ الشاعريِّ أن “شرفةَ المترو” لم تُخلقْ يوماً لإحصاءِ الوجوهِ العابرة، بل نُصِبَتْ منصةً لاستدعاءِ زمنِ الإنسانِ الأوّل؛ ذاك الذي صاغَ العطاءَ عهداً مقدساً، والمروءةَ طبعاً أصيلاً، وجعلَ من تلك الشرفةِ وطناً ثابتاً لا يغادرُهُ قطارُ الأيامِ المسرعة.
وفي عمق هذا الشجن الجميل، يختصر اسمُ “لينا” كل هذه المعاني. هي المنارة التي لا تنطفئ في عتمة الأرواح، والياسمينة التي عمَّ بياضُها شرايين الآخرين. لم تكن لينا مجرد فتاة عابرة
في قصة الأيام. بل هي من أطهر الأرواح التي عبرت حياتي كلها. روحٌ تترك خلفها أثراً لا يمحوه غياب، وظلاً يستظل به القلب كلما ضاقت به المسافات.
وفاءً مني لقلبٍ لم يعرف يوماً كيف يخذل عابراً، ولعينٍ لم تنم يوماً عن رد صاحب حاجة أو شفاعة.
تشتعلُ لينا كشمعةٍ في مهبِّ الريحِ لتذودَ عن السائرين؛ فمَن لا يَلُمُّ الضَّوءَ إن اتسعَ في العِتمةِ يَمُتْ برداً، أما روحُها فكانت فتيلاً من نور، كُتِبَتْ عنها الحروفُ بكثافةِ نجاةٍ وانتشالٍ من الغرق.
سلامٌ على روح لينا. تزرعُ بذورَ الخيرِ في السبيل. لا تطلبُ لنفسِها منفعةً ولا مأرباً، ثم تمضي بوقارٍ وزهد. ترحلُ بسلامٍ وهي تحملُ على عاتقِها الواهنِ همومَ الآخرين. تُكملَ وحدَها مسيرةَ النورِ في عتمةِ هذا العالم. سيظلُّ اسمُها وحدهُ منارةً خالدةً تُضيءُ حدائقَ الروحِ إلى الأبد.
✍️ بقلم الكاتب الأديب
عيسى أحمديني
السبت 22 / أغسطس 2026م
الرياض
قراءة ققق




