
هواية / للقاصة القديرة ناديا ابراهيم
(( هواية )) قصة قصيرة
شهيرة وبهيرة امرأتان على باب الله وهما توءم، دخلتا سن الأربعين ولم تتزوجا، الأولى طويلة القامة وقلبها مثل طفل صغيريحب المطر، والثانية ممتلئة الجسد وقصيرة القامة، تجلسان منذ الصباح في الحديقة الموازية للمحطة الأخيرة للسرافيس وتراقبان باهتمام كل من يدخل إليها ويخرج منها، ولاتفوتهما جلسة من جلسات النساء اللواتي يترددن عليها ،ليملأن فراغ حياتهن ويرتقن ثقوب رغباتهن بأحلام ميتة ، لاسيما بعد التشرد عن بيوتهن في المناطق المجاورة للعاصمة ،
أشجار الحديقة المطروشة بالأبيض والتي تنيرها في الليل الفوانيس الذابلة، كانت تثير الأحاسيس والمشاعر لكل المريدين، كما لو أنها تنده لهم بصوت مثير :__ تعالوا لافرش ظلالي في قيضكم.
ولأنهما يعزفن الفرح على قيثارة الحب والأنس،فقد توطدت بينهما وبين النساء الراغبات بالجمال والدفء وصفاء النفس علاقة صداقة ،وصارت أكثر رسوخاَ ولاسيما عندما كان يدور الحديث عن المسلسلات والأحلام وأسرار البيوت، تلك الحكايات ،ابعدت عنهما شبح الشيخوخة ووحشتها، وجعلتهما أكثر ونساً وألفة، وشهيرة المرأة الطويلة الطيبة القلب والجريئة لن تبخل يوماَ بتقديم المساعدة لكل من قصدها، حتى أنها كانت في كثيرٍ من الأوقات،تتقمص دور القاضي فيما إذا ماحدث خلاف بين النسوة على نهاية أحد المسلسلات ،
في حين كانت بهيرة عصبية المزاج وعفوية تتقمص دور المحامي اللامع ،إذا ماخالفتها شهيرة،لكن سرعان ماتصمت ثم تهمد فقلبها الرقيق لايحتمل الكراهية والضغينة، حتى أنها احيانا تبصم لاختها بالعشرة ، تلك الاحاديث والحكايات، كانت تجرفهما بعيداً، فتسترخيان، وتنسيان الذهاب إلى البيت لتناول وجبة طعام الغداء، عند المساء تنضم لهما أم شامان الشامية، وتأتي بركوة قهوة منكهة بطعم الهيل، كانت عندما تنتهي إحدى النساء من تناول قهوتها تحثها شهيرة على ترك فنجانها عرضة للهواء لتبصر لها وتطلعها على كثير من المفاجأت، لاسيما أن بعضهن فقدن الأولاد والازواج في الحرب ولايعرفن عن مصير هم شيئاَ، كلامها المليء بالتفاؤل كان يمد النسوة بالأمل والاستمرار بالحياة،، مستندات على نبرة صوتها للنهوض من جديد، وحبس الهموم في صناديق النسيان، طوال سنوات الحرب والتشرد والضياع والأختان لاتتزحزحان قيد أنملة عن ذاك المقعد الخشبي المطلي بالأخضر،،إلى أن مرُ في أحد الأيام أحد رجال الشرطة، يحمل على كتفه بندقية ،ويبحث عن أحد المتورطين ببيع المخدرات ،شاهد زوجته بين النساء المتجمعات حول امرأتين تشبهان قوم ياجوج ومأجوج وقف ينظر إليهما باندهاش ،واستنكر أشكالهما الأسطوريةوأفعالهما التي تنم عن الكفر وقلة العقل،وعندما صرخ على زوجته وهوينزع البندقية من كتفه اظلمت الدنيا في عيني شهيرة وبهيرة،ألجمهما الخوف والهلع ، وزعزعهما بريق عينيه ، أغمي على بهيرة، وبعدها أصيبت بجلطة دماغية، ولأن الله رحيم بعباده بقيت شهيرة على قيد الحياة، وحين انفضت عنها النساء الراغبات بالأنس والثرثرة، لم تعد تأتي إلى الحديقة مطلقاً.




