Views: 16
قراءةٌ نقديّةٌ في قصيدةِ «مواعيدُ النِّهاياتِ»
للشاعرِ المبدع ” جورج عازار”
*بقلم د.ليلى صليبي
تقومُ هذه القصيدةُ على بناءٍ شعوريٍّ متدرّجٍ يرصدُ تحوّلَ الحالةِ الوجدانيّةِ من وهجِ التعلّقِ إلى عتمةِ الخيبةِ، في مسارٍ نفسيٍّ يتكئُ على ثنائيةِ الانتظارِ والانكسارِ، حيث يصبحُ الزّمنُ عنصرًا فاعلًا في تشكيلِ التجربةِ، لا مجرّدَ إطارٍ لها. فالعنوانُ «مواعيدُ النهاياتِ» يحملُ منذُ البدءِ مفارقةً دلاليّةً لافتةً، إذ يجمعُ بين دلالةِ الموعدِ بما فيه من ترقّبٍ وأملٍ، وبين النّهاياتِ بما تحملُه من انطفاءٍ وفقدٍ، وكأنَّ الشاعرَ يهيّئُ القارئَ لتجربةٍ تبدأُ بوعدٍ جميلٍ وتنتهي بخيبةٍ موجعةٍ.
في المقطعِ الأوّلِ يشيّدُ الشّاعرُ فضاءً عاطفيًّا مضيئًا، حيثُ يتحوّلُ الحبيبُ إلى مركزِ الوجودِ، ويغدو الانتظارُ طقسًا يوميًّا يملأُ الحياةَ معنى:
أحسبُ الساعاتِ سنيناً / إلى أن يأتي اللقاء
هذه الصورةُ تكشفُ تضخّمَ الإحساسِ بالوقتِ عندَ العاشقِ، وهو تضخّمٌ ناتجٌ عن شدةِ التعلّقِ، حتى ليبدوَ الماضي بلا قيمةٍ قبلَ حضورِ هذا الحبِّ:
كيف كنت قبل اليوم أحيا / من غير أن أهواه
وتتتابعُ الصّورُ المشرقةُ في هذا الجزءِ: ضوء النهار، الفجر، قوس قزح، الفساتين، الفراشات… وهي رموزٌ ترتبطُ بالبداياتِ والفرحِ والتجدّدِ، ما يجعلُ القارئَ يعيشُ حالةَ توقٍ حقيقيٍّ إلى الغدِ، وكأنَّ اللقاءَ خلاصٌ من كلِّ ما سبقَه.
غيرَ أنّ البناءَ الشّعريِّ يتعرّضُ لانكسارٍ واضحٍ عندَ الفاصلِ الرّمزيِّ ، حيثُ ينتقلُ النصُّ من لغةِ الحلمِ إلى لغةِ الخيبةِ، في صورةٍ عميقةِ الدّلالةِ:
من غير نورٍ ينتهي المخاض / ويولد الصباح شاحباً
يستعيرُ الشّاعرُ هنا صورةَ المخاضِ ليعبّرَ عن طولِ الانتظارِ، لكنَّ الولادةَ تأتي بلا ضوءٍ، في انقلابٍ دلاليٍّ يجعلُ الصّباحَ ، وهو رمزُ البداياتِ عادةً، علامةً على الفتورِ والانطفاءِ. وهذه من أقوى لحظاتِ القصيدةِ، لأنّها تكشفُ أنَّ الألمَ لم يكنْ في الغيابِ وحدِه، بل في الأملِ الذي طالَ حتّى استُنزفَ.
في المقطعِ الأخيرِ تتكاثفُ صورُ الذّبولِ والفراغ، فيتحوّل المكانُ الذي كانَ موطنَ الفرحِ إلى فضاءٍ كئيبٍ، وتغدو الأشياءُ الصغيرةُ شواهدَ على الفقدِ:
الوردة تذبل،
فنجان القهوة يصير يتيمًا،
السماء تبكي،
والشمس تنام طويلًا.
هذه الصّورُ تمنحُ النصَّ بُعدًا رمزيًّا واسعًا، إذ لا تعودُ الخيبةُ حدثًا شخصيًّا فقط، بل حالةً كونيّةً يشعرُ معها المتكلّمُ أنَّ العالمَ كلَّه فقدَ توازنَه.
أسلوبيًّا، تعتمدُ القصيدةُ على لغةٍ شفيفةٍ مباشرةٍ، لكنّها محمّلةٌ بإيحاءاتٍ عاطفيّةٍ عميقةٍ، ويبرزُ فيها التدرّجُ من الضوءِ إلى العتمةِ، ومن الحركةِ إلى السكونِ، ومن الامتلاءِ إلى الفراغِ، وهو تدرّجٌ منحَ النصَّ وحدةً داخليّةً واضحةً وأثرًا وجدانيًّا قويًّا.
قراءةٌ فنيّةٌ في لوحةِ «الانكسار» للفنانِ التّشكيلي المبدعِ
“فؤاد روهم”
تأتي هذه اللّوحةُ منسجمةً مع الجوِّ النفسيِّ الذي تبنيه القصيدةُ، إذ تُجسّدُ لحظةَ الانكسارِ بعدَ طولِ انتظارٍ، في هيئةِ امرأةٍ منحنيةِ الجسدِ، مطأطئةِ الرأسِ كأنّها تحملُ ثقلَ خيبةٍ لا تُرى لكنّها تُحَسُّ في كلِّ تفصيلٍ من تفاصيلِ المشهدِ.
وضعيةُ الجسدِ المائلِ، والذراعِ المتدلّيةِ، والرأسِ المنخفضِ، كلُّها عناصرٌ تعبيريّةٌ توحي بالإنهاكِ الدّاخليِّ، وكأنَّ الشّخصيّةَ لم تسقطْ فجأةً، بل استُنزفتْ ببطءٍ حتّى فقدَتْ قدرتَها على المقاومةِ.
أمّا الكأسُ الذي تنسابُ منه قطرةٌ حمراءُ فيحملُ دلالةً رمزيّةً واضحةً، إذ يبدو كأنّه قلبٌ امتلأَ حتّى فاضَ ألمًا، أو حلمٌ انكسرَ بعدَ أنِ اكتملَ.
الألوانُ الباردةُ التي تهيمنُ على اللّوحةِ، من الأزرقِ والرّماديِّ، تخلقُ إحساسًا بالوحدةِ والبرودةِ، بينما يظهرُ الضّوءُ الخافتُ في الخلفيّةِ كأنّه بقايا أملٍ بعيدٍ، أو ذكرى دفءٍ لم يعدْ حاضرًا. وهذا التّباينُ بين الضّوءِ والعتمةِ يوازي تمامًا الانتقالَ في القصيدةِ من إشراقِ اللقاءِ إلى شحوبِ الصّباحِ .
كما أنَّ خلوَّ الخلفيةِ من التفاصيلِ يعمّقُ الإحساسَ بالعزلةِ، فيبدو العالمُ وكأنّه انسحبَ من حولِ الشّخصيّةِ، فلم يبقَ سوى الذّاتِ وألمِها، وهو المعنى نفسُه الذي تنتهي إليه القصيدةُ حين يتحوّلُ الانتظارُ إلى فراغٍ.
خلاصةُ القراءةِ:
يتكاملُ النصُّ الشّعريُّ مع اللّوحةِ في تقديمِ تجربةٍ إنسانيّةٍ واحدةٍ، قوامُها انتظارٌ طويلٌ انتهى بانكسارٍ صامتٍ. فالشّاعرُ يصوغُ الألمَ بالكلماتِ، والفنانُ يرسمُه باللّونِ، لكنَّ النّتيجةَ واحدةٌ: لحظةٌ يتوقّفُ فيها الزّمنُ، ويشعرُ الإنسانُ أنَّ النّهاياتِ تأتي أحيانًا في الموعدِ لكن بلا نورٍ .
أرفعُ أسمى عباراتِ الشّكرِ والامتنانِ للشّاعرِ الراقي والرسام المبدع، على عطائِهما الفنيِّ الذي يثري الروحَ والعقلَ، ويجعلُ من الكلمةِ والصورةِ نافذةً للإلهامِ والجمالِ. دمتُما منارةً للإبداعِ، ومصدرَ فخرٍ لكلِّ منْ يتذوّقُ الفنَّ والخيالَ.
*أديبة وأكاديمية لبنانبة
وهاكم نص القصيدة ((
مواعيدُ النِّهاياتِ
قالتْ: بالأمسِ كُنتُ بهِ أفتتنُ
أحسِبُ السَّاعاتِ سِنيناً
إلى أنْ يأتي الِّلقاءُ
كيفَ كُنتُ قبل اليومِ أَحيا
من غيرِ أنْ أهواهُ
مِثلَ سُحبِ الصَّيفِ
كُلُّ الهمومِ تَندثرُ
عِندما في الغدِ بهِ اجتَمعُ
وعند نواقيسِ الغيابِ
تَحلُّ العَتمةُ
والفؤادُ يَعتَصرُ
من أجلِهِ صِرتُ أعشقُ ضَوءَ النَّهارِ
وأمقتُ الَّليلَ
حين يَقتربُ
مَتى تُشرقُ الشَّمسُ
ويدنو المَوعدُ؟
من أجلهِ سألبسُ أجملَ الفَساتينِ
وأترُكُ شَعري مُنسَدِلاً
تَعبَثُ به النَّسائمُ
كَما يَتمناهُ
سَأسرِقُ مِن الفَجرِ
لَونَ الضياءِ
ومن قوسِ قُزَحَ
رَقصاتِ الحُبورِ
ونَشوةَ الكُحلِ
ومن فَرَاشاتِ البَسَاتينِ
ضَحكاتِ السُّرورِ
ومن غيرِ نِهَاياتٍ أجُوبُ الأفاقَ
في كُلِّ الفضاءاتِ
غداً حينَ الحبيبُ يَجيءُ
∞∞∞
مِن غيرِ نُورٍ
يَنتهي المَخاضُ
ويَلِدُ الصَّباحُ
شَاحباً صَارَ الطَّريقُ
وَئيدةً تَمضي السَّاعاتُ
تَذبُلُ وَردتي
ويُرهِقُني الانتظارُ
ولا شَبحَ في ذَلك المُنعطفِ
عَليَّ يُطِلُّ
دَبيبُ الانتظارِ يَهرِشُ جَسَدي
والحَسرَاتُ ظَلمَاءُ
تُظَلِّلُ وَضحَ الفُؤادِ
تتسلَّلُ الخَيبةُ البَاردةُ
إلى أطرافي
وَيَتوهُ الزَّمانُ
في المفارقِ الحَزينةِ
وتَكِفُّ الأرضُ عَن الدَورانِ
كئيباً صَارَ المَكانُ
الَّذي كُنتُ أعشَقُهُ
ماتَتْ الأِبتسامَةُ على الشِّفاهِ
وتَغَلغَلَ الشَّجوُ
إلى أَحداقي
كي يَعُبَّ من الدَّمعِ
كُؤوساً مُترعَةً
وحيدةٌ أنا والجَّوَى
يَلتَهِم ذاكرتي
وعَينايَ تَرنوانِ إلى السَّوادِ
الَّذي مِنِّي اقتربَ
غداً يتبدَّلُ الكَونُ
سَتنامُ الشَّمسُ طَويلاً
وسَوفَ تَبكي السَّماءُ
ويَتيماً يُصبحُ فِنجانُ القَهوَةِ
وتموتُ الوردةُ الذَابِلَةُ
في دَفاتري القَديمةِ))
بقلمي: جورج عازار



































