
مقال نقدي
رأي في السردية التعبيرية :
نظرة: عامة واشارات:
تبدو الكتابة المعاصرة اليوم أمام تداخل واسع بين الأجناس الأدبية حتى غدت الحدود الفاصلة بين السرد والشعر والتعبير أقلّ صلابة مما كانت عليه في التصنيفات الكلاسيكية وفي هذا السياق يظهر مصطلح
/السرد التعبيري/ باعتماده تعريفاً شائعاً في بعض القراءات النقدية والمنشورات الأدبية رغم أنّه لا يحظى بإجماع نظري صارم داخل الحقول الأكاديمية
وهذا يدفع إلى إعادة مساءلة المفاهيم الأساسية:
ما السرد؟ ما التعبير؟
وما طبيعة هذا التركيب
الاصطلاحي الهجين؟
إننا نجد مفهوم حتى النثر العلمي تعبيري
والسيميائية والبنيوية حصراً بالإشارات والعلامات وتكادان تلازمان الشعر أو ماهو قريب منه
والسرد هو فن حكائي أي قصصي والتعبير قد يكون لغة بلا أدوات فنية
ومن سؤال عن ؟ :
السرد التعبيري:
هو مفهوم متفق عليه/ بل غير متفق عليه؟!
من هنا أنوه بقصدية :
نحن أحياناً نقرأ في متون المنشورات المثبتة تحت عنوان
(سرد تعبيري) …
لذلك وبكل جدية هنا سأدير فكرتي المنسلخة
عن مصطلح علماء المنطق وعن خيمة الفلسفة الغربية
وأبيّن وفق تجربتي
مامعنى “سرد”؟
ومعنى “تعبيري”؟
وبالتالي مامعنى “سرد تعبيري”؟
وذلك حتى نضع النصوص في مواضعها ونمنحها هوية الجنس المناسب من اﻷدب
نحتاج الكثير والدخول إلى السيميائية والبنيوية والأهم المدارس الغربية وماتراه والأدب العربي وتطور مراحله
إنما من خلال خميرة الفكر سنحرث معنى السرد :
فهو يتبع للسردية التي تناولها الغرب ولن نحاول الدخول للحيثيات لأننا نحتاج الكثير
إنما السرد : في مفهوم السرد
والسرد في أبسط تعريفاته هو بنية خطابية تقوم على نقل حدث أو سلسلة أحداث ضمن زمنٍ محدد وفق تنظيم لغوي يسمح ببناء المعنى عبر التتابع بلا علامات الترقيم أو علامات الوقف وهذا مايميزه وهو بهذا المعنى ينتمي إلى الحقل النثري أساساً ويعتمد على الحديث بمقتضاه كإجراء لترتيب التجربة الإنسانية وتحويلها إلى خطاب ذي انسجام دلالي
وقد تطوّر مفهوم السرد في الدراسات الحديثة (البنيوية والسيميائية على وجه الخصوص) ليغدو نظاماً من العلامات والدلالات بعيداً عن كونه حكاية إذ يُنظر إليه كبنية إنتاج للمعنى ولايقتصر على النقل ولكن يتخطاه فهو إذاً أداة أوأسلوب متّبع للتعبير الإنساني من خلاله نترجم أفعالنا وسلوكياتنا وحتى أمكنتنا إلى بنية من المعاني بأسلوب السرد أي نحاول إحالة المعلومة إلى كلام مع ترتيب الأحداث بكلام له انسجامه ومعانيه وجمله وفيه لا توجد الحاجة للشرح والتكثيف أو الحشو وله أنواعه
هو إذاً مفهوم أدبي متصل بالنثر وثمرة نتاج معني بعناية الأسلوب وسياقية الجملة والفكرة والرسالة وهو الأكثر استماعاً لدى القراء باسترساله بلا تقطيع
وله أساليبه إنما الأهم هو المبدع الحقيقي الذي يُحيط ويلّم بتتابع الحلق مع بعضها وتداخلها
فالأدب أدواته الأولى اللغة مبدأ نقاء النوع
لن ندخل لفكر الغرب وتداخلاته عن ماهية السرد
أنا أكتب ماهو الأنجع والمتفق عليه وفق مانراه بالساحة الثقافية بعيداً عن التشبث بمدرسة فطرحه يحتاج نظريات ودلالات تدخلنا إلى مدارس الغرب وتأثرنا بها
أما عن التعبير:
في مفهوم التعبير
هو أوسع من السرد وأكثر مرونة منه إذ يشير إلى الطريقة التي تُصاغ بها التجربة داخل اللغة سواء كانت حكائية أم شعرية أم تأملية
فالتعبير لم يكن جنساً أدبي بقدر ما هو وظيفة لغوية تتجلى في القدرة على تحويل الإحساس والفكرة إلى خطاب قابل للتلقي
وبذلك يمكن أن يوجد التعبير داخل الشعر وداخل السرد أو حتى داخل النصوص العلمية في مستوياتها البلاغية ما دام هناك حضور للذات واللغة بمنزلتها كوسيط شعوري
فهو عرض مقنع بتقنية مستخدمة للكلام
والأهم الماهيّة والكيفية التي ارتضاها السارد المعبر شرط الغاية أي وجود علاقة بين المتكلم ولغته بجملة من العلاقات الدالة التي تستوجب علماً قائماً بذاته وهو مايقود للحديث عن السيميائية…
فللتعبير أسلوبية هي دلالة الكاتب لنجاح عمله بوحدة فنية متكاملة وكي يصل يجب أن يقدم عرض مقنع لشيء ما حدثاً وتصويراً من منظور البرهان لذلك التعبير عاري إنما وظيفي ومحض وله أنواعه وأشكاله من وصف للملهاة أو المأساة أو الرسائل أو الحوار أو..أو..
فهو وظيفة منظمة للخطاب واللعب بالألفاظ للتمكن من صناعة الكلام وتحبيره في درجات عليا ومستوى من الرفعة
إنما عن السرد التعبيري فهو تطور حقيقي بعد أن تقسّم الأدب وتردّي الأعمال الأدبية ومن خلال هذا التطور لحق النوع الأدبي الذي يرصد على مبدأ نقاء النوع فلقد غدا محور تدور عليه الأعمال الأدبية
أي فرادة هذا النوع لايمكن البحث عنها بقدر عن سماتها المشتركة وانتماءها إلى أي نوع من الأدب..
إشكالية /السرد التعبيري/
من هنا تبرز الإشكالية:
هل /السرد التعبيري/ مفهوم نظري متفق عليه؟
الواقع أنه ليس مصطلحاً مستقراً داخل المنظومة النقدية الكلاسيكية أو حتى البنيوية الصارمة إنما هو تحديد مرن ظهر في سياقات دلالية أكثر منه تنظيرية
أي أنه لا يملك تعريفاً واحداً جامعاً لكنه يتشكل وفق استعمالات الكتّاب والنقاد خصوصاً في النصوص التي تمزج بين القول الكثيف واللغة المشحونة بالانفعال والرمز وبالتالي
يمكن اعتباره: نمطاً أسلوبياً أكثر من كونه جنساً أدبياً مستقلاً أو حالة امتزاج بين السرد بوظيفته الحكائية والتعبير بوظيفته الشعورية في تداخل الأجناس الأدبية
فتاريخ الأدب الحديث يشير بوضوح إلى أنّ الأنواع الأدبية لم تعد مغلقة فالشعر يتسرّب إلى السرد والسرد يدخل في القصيدة والتعبير يتجاوز حدوده التقليدية
وقد أشار عدد من منظّري الأدب الغربي مثل (رينيه ويلك) إلى أنّ الحدود بين الأجناس الأدبية لم تعد ذات صرامة معيارية إنما أصبحت قابلة للاختراق والتحول المستمر مما يجعل التصنيف نفسه موضع مساءلة
وهذا التداخل لا يعني انهيار الأجناس إنما إعادة تشكيلها داخل تجربة الكتابة الحديثة رؤية نقدية
يمكن القول إنّ /السرد التعبيري/ ليس جنساً أدبياً قائماً بذاته بقدر ما هو منطقة تماس بين بنيتين:
بنية السرد بوصفه تنظيماً خبرياً
وبنية التعبير بوصفه كثافة شعورية لغوية
ومن هنا فإن قيمة هذا النمط لن تكمن في تصنيفه الصارم إنما في قدرته على إنتاج نصوص هجينة تعكس
تحولات الوعي الأدبي المعاصر لكن في المقابل يظل من الضروري نقد الإفراط في استخدام المصطلح دون ضبط منهجي لأن ذلك قد يؤدي إلى تمييع الحدود المفاهيمية وإضعاف أدوات التحليل النقدي
فالقص والشعر جنسان أدبيان لكل منهما خصائصه وتقنياته التعبيرية
والسرد خصوصية نثرية ولكن نجد أيضاً أنّ السرد تسرّب لداخل بناء القصيدة فمفهوم الجنس والنوع الأدبي في معناه الأصل يدل على الجذر أو الفصيلة التي ينتمي إليها العمل الأدبي الفني وإن كان المصطلح قد بات قلقاً في ذاته ودائم التغيير نظراً لاتساع محتواه من هنا تأتي الصعوبة حتى بالنسبة للأعمال المعينة التي يتم إدراجها تحت نوع واحد فإنها لاتسلم من التقسيم المستمر إلى أجناس فرعية وأخرى متعددة…
ونظرية الأنواع الأدبية لم تعد تحتل الصدارة الآن حتى في الدراسات الأدبية فالتمييز بين الأنواع لم يعد ذا أهمية في كتابات العصر والحدود بين النوع والنوع الآخر…
تعبر باستمرار الأنواع تختلظ أو تمتزج والقديم منها يترك أو يحول ويحلّق بأنواع جديدة إلى حد ما صار المفهوم نفسه موضع شك بتعبير أغلب مفكري الغرب مثل (رينيه ويلك)
انا برأيي التشابه بالوظائف ليس عائد فقط إلى تأثير ثقافة على أخرى إنما عائد لطبيعة العقل الإنساني في مجموعه والمهم في ذلك هو رؤيته لإمكان انتقال عناصر من جنس إلى جنس
فالسرد التعبيري هو مفهوم متفق عليه كما نوهت لكن أتصور الاختلاطات مقابل النظريات تتبع المبدع نفسه ومايرتأيه هو للمواكبة ويبقى لكل جنس مسماه مهما تطورنا والذائقة موجودة لكل الأجناس ولايمكن طمر أي جنس أو شكل أدبي إطلاقاً لكل نكهته ولكل مساره ومريديه
الطرح يحتاج الكثير من الدلالة والبرهان
لم أحاول الإقتراب لأي نظرية إطلاقاً أو دلالة إشاراتية لنظرية تأخذنا للإنضمام تحت ألويتها ولسنا بهذا الباب
إنّ /السرد التعبيري/ يمكن النظر إليه كإيضاح مرن لحالة أدبية حديثة تتقاطع فيها الأجناس وتتمازج الوظائف فهو ليس نظاماً نظرياً مكتملاً لكنه مساحة مفتوحة لإعادة التفكير في علاقة اللغة بالتجربة وفي كيفية انتقال الأدب من التصنيف إلى الانفتاح
وفي النهاية تبقى قيمة هذا الطرح مرهونة بقدرته على تحفيز التفكير النقدي أبعد مايكون عن فرض حدود جديدة إنما على تفكيك الحدود ذاتها وإعادة مساءلتها وكي أترك أيضاً مدى للرأي الآخر المؤول أمام الطرح فهو شرح لمعنى السرد التعبيري بوجهة نظر حرة ذاتية
لإثارة وحراك الفكر
مرشدة جاويش




