
النسق المضموني والتشكیل الأسلوبي عند شواعر المهجر قراءة في التجربة الشعرية للشاعرة ليلاس زرزور بقلم / د. سيد فاروق
النسق المضموني والتشكیل الأسلوبي عند شواعر المهجر
قراءة في التجربة الشعرية للشاعرة ليلاس زرزور
بقلم / د. سيد فاروق
*****************
توطئة
نشأ أدب المهجر في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حيث هاجر كثير من الأدباء العرب، غالبيتهم من سوريا ولبنان، إلى أمريكا الشمالية والجنوبية، ونتيجة لتميز أسلوبهم الشعري وكتاباتهم بسمات مميزة تجمع بين ثقافتهم العربية وحياتهم في المهجر نشأت مدرسة أدبية عُرفت باسم “شعراء المهجر”.
تمحورت أعمال شعراء المهجر الأدبية حول موضوعات مثل صراعات الهوية، والاندماج في المجتمع الأمريكي، وشعور الانفصال عن الثقافة العربية بالنسبة للأجيال اللاحقة التي وُلدت في الولايات المتحدة، وهموم الوطن وغيرها من الموضوعات. وبطبيعة الحال، تأثر شعراء المهجر بالآداب والفنون العربية والغربية، لكنهم اهتموا أكثر بالمعاني وكانوا أكثر حرية في اختيار مفرداتهم وموضوعاتهم.
وبعد مدرسة المهجر، نشأت “الرابطة القلمية” في نيويورك على يد نخبة من الأدباء عام 1920م، ومن أبرز أعضائها جبران خليل جبران، وإيليا أبو ماضي، وميخائيل نعيمة، وعبد المسيح حدّاد وكان هدف هذه الجمعية الأدبية هو تعزيز اللغة العربية وآدابها. واهتمت الرابطة بتحرير الصحف العربية ونشرها في بلاد المهجر مثل مجلة “الفنون” التي كانت تُعنى بالأدب، ومجلة “السمير” وتُعنى بشؤون العرب في أمريكا، وجريدة “السائح” وكانت تُعنى بشؤون المهاجرين.
وتميز النتاج الأدبي لأعضاء هذه الرابطة بالتأمّل في الحياة وأسرار الوجود والتعمّق في النفس البشرية والذات الإنسانية، ومن سماتها استخدام اللغة العربية السهلة والبسيطة، والتجديد في الأساليب الشعرية، والدعوة إلى قيم الحب والجمال والخير، واستخدام الرمز في الكتابة، ولكن لم تدم هذه الرابطة طويلاً وانتهت بموت رائدها جبران خليل جبران.
وبعد حوالي عقد من الزمان من نشأة “الرابطة القلمية” في أمريكا الشمالية، نشأ في أمريكا الجنوبية، تحديدًا في البرازيل عام 1933م، رواق أدبي آخر عُرف باسم “العصبة الأندلسية”، والتف حول هذا الكيان الأدبي ثلة من أدباء المهجر الجنوبي أمثال ميشيل معلوف، وشكر الله الجر، ورشيد الخوري، وإلياس فرحات، ونظير زيتون، وإلياس طعمة وغيرهم.
كما انشأوا مجلة أدبية حملت اسمهم “العصبة” واهتموا روّادها باستعمال القلم في النّضال من أجل أوطانهم كما حملوا لواء إعادة أمجاد الشعر العربي في بلاد الغربة.
بيد أننا نرى أنه في الواقع هناك الكثير من الشعراء المهاجرين الذين لم يكونوا أعضاء في تلك الروابط والنوادي الأدبية، وقد توالت على مر العقود هجرت الشعراء والشواعر من البلاد العربية إلى مختلف الدول الأوربية جراء أحداث ثورات الربيع العربي وما تلاها من أحداث في شتي البقاع العربية.
ومن هنا نبدأ القراءة النقدية في بعض القصائد الشعرية للشاعرة ليلاس زرزور كأحدى شواعر المهجر في الوقت المعاصر والتي سنتناولها من خلال العناصر التالية:
– نبذة عن الشاعرة
– أبعاد الواقع وعلاقاته
– أبعاد الموقـف ودلالاته
– مجال الحدث
– الحنين إلى الوطن
– فلسطين بين الطوفان والشعر
– الوازع الديني في الخطاب الشعري
– العاطفة والوجد
– تصعيد الحالة الشاعرية
– عجائب الإلهام واللمسة السماوية
– التصوير البصري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نبذة عن الشاعرة
نود أن نورد في مستهل هذه الدراسة نبذة عن الشاعرة التي سنتناول تجربتها الإبداعية بشيء من التفصيل ونسأل الله القبول والسداد.
ليلاس عبد الهادي زرزور
شاعرة وأديبة سورية، وُلدت في مدينة حلب
إجازة في الحقوق من جامعة حلب.
تُعد من الأصوات الشعرية البارزة في المشهد الثقافي العربي المعاصر، وعضو في اتحاد الكتاب العرب
تقيم في أمستردام – هولندا.
تكتب في مجالات الشعر العمودي، والتفعيلة، والنثر الأدبي، كما تكتب القصة القصيرة وأدب الطفل. صدر لها حتى عام 2025 أحد عشر ديواناً شعرياً، بالإضافة إلى مجموعات قصصية وأعمال أدبية متنوعة. تميزت أعمالها بتناولها لقضايا الحب والحنين والوطن.
الإصدارات الشعرية:
1. زدني عشقاً – دار ميرزا، بيروت (2011)
2. تراتيل عاشقة – دار أرواد، سورية (2015)
3. على همس الوريد – دار التجمع العربي، القاهرة (2016)
4. همسات ليلكية – دار التجمع العربي، القاهرة (2016)
5. لي في هواك قصيدة – دار التجمع العربي، القاهرة (2017)
6. مهلاً أيها السنونو – دار التجمع العربي، القاهرة (2018)
7. ما يشبه الحنين وأكثر – دار طيوف، القاهرة (2019)
8. للحب بريق آخر – دار التجمع العربي، القاهرة (2020)
9. كزهر الياسمين أو أقرب – دار سكرايب، القاهرة (2022)
10. معك يكتمل الضوء – دار سكرايب، القاهرة (2023)
11. صهيل القوافي – عن دار التجمع العربي، القاهرة (2025) – وهو ديوان مشترك في صيغة سجال شعري مع الشاعر العراقي عدنان الجميلي.
المسرح:
الحب الأبدي – مجنون ليلى: مسرحية شعرية أصدرتها الكاتبة بأسلوب درامي شعري، تتناول من خلالها قصة “مجنون ليلى” برؤية حديثة، مع الحفاظ على الطابع الكلاسيكي لروح النص العربي القديم.
في القصة:
أصدرت مجموعة قصصية للكبار.
أصدرت أيضًا مجموعة قصصية موجهة للأطفال، نُشرت في هولندا، ضمن مشروعها الثقافي لنقل الأدب العربي للناشئة في المهجر.
مساهمات أدبية وإشراف:
إعداد ” موسوعة الحلم العربي” بمشاركة 168 شاعراً من كبار شعراء الوطن العربي.
أعدت “موسوعة مواعظ وحكم” بمشاركة 210 شاعر وشاعرة من مختلف الدول العربية.
أعدت موسوعة ” الغزل العذري المعاصر ” شارك بها 221 شاعر وشاعرة من مختلف الدول العربية.
أعدت موسوعة ( دمشق الياسمين )
شارك بها 150 شاعر و شاعرة من مختلف الدول العربية
شاركت في عدة دواوين شعرية جماعية، أبرزها:
موسوعة الشعراء الألف
فرائد القصائد في المضمون الاجتماعي
موسوعة الشعر النسائي
دواوين شعرية تضامنية لنصرة فلسطين وغزة.
العمل الإعلامي والثقافي:
قدمت سلسلة حوارية بعنوان “حوار شعراء و أدباء”، استضافت خلالها مجموعة من الأصوات الشعرية والنقدية المعاصرة.
رئيس تحرير مجلة “زهرة الليلك”، وهي مجلة أدبية ثقافية تصدر عن منصة Lilak Press.
رئيس تحرير موقع Lilak Press، وهو منصة إلكترونية تهدف لدعم الإبداع العربي وتقديم نتاجاته إلى جمهور عالمي.
رئيس المنظمة العالمية للآداب والفنون، وهي منظمة ثقافية مرخصة من المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأعلى في الأمم المتحدة تحت الرقم (486756)، تُعنى بالتواصل الأدبي العالمي والتبادل الثقافي والفني.
مشاريعها الثقافية:
تعمل على تطوير مشروع “مجموعة الأدب العالمي”، والذي يهدف إلى تقديم الأدب العربي في المحافل الدولية.
وبذلك نكون قد وقفنا على أهم محطات السيرة الذاتية للشاعرة ليلاس زرزور في مسيرتها الأدبية والتي بدأ حصاد ثمارها عام 2011م واستمرت على مدار تلاثة عشر عامًا من الإبداع المتنامي والمستمر والتي أثقلت ليها الملكة الإبداعية وأضحت تجربتها جدير بالوقوف والتأمل والقراءة الوافية الواعية حتى يتم الإفادة من تلك التجربة كأحد النماذج الفاعلة والهامة لشواعر المهجر والتي أثرت الساحة الأدبية في واقعنا المعاصر.
أبعاد الواقع وعلاقاته
أهم المستويات اللغوية التي ترتكز عليها الدراسات النقدية الحديثة هما: مستوى الشكل (الصوت)، ومستوى المضمون (الدلالة)، إذ يُعدان القاعدة الأساسية لأيّ دراسة نقدية جادة، ولقد ارتأينا في هذه القراءة أن نفصل بين مستوى الشـكل وهو الجانب الصوتي (الإيقاعي) والجانب التركيبي (النظمي) ؛ وبين قاعدة المضمون والتى سنتناول فيها جانب الـدلالة وجانب الـتصوير، بوصفهما قاعدتي جانب المضمون في شعر المهجر الحديث، والتي تعني برصد جانـب الدلالة وأبعادها المرجعية وجانـب التصوير أبعادها ومظاهره، و قبل الخوض في غمار الجانب الدلالي نشير إلى أن علم الدلالة هو أحد فروع اللسانيات العامة, يقع محور اهتمامه في بحث قضية المعنى المعرفـي السائد بين جماعة لغوية ما، و في نماذج أخرى من اللسـانيات يظهـر علـم الدلالـة بوصفه فرعا للدراسة المعجمية أو دراسة الدلالات المعجمية()
() Chatman Seymour ويري الناقد الأمريكي
أنَّ علم الدلالة ليس شيئا آخر غير المعنى، وهو يُعرف المعنى بأنه قدرة الرسالة في التأثير علـى المتلقـي أو المستقبــل وفـق ثــلاث مستويات للمعنى وهي: المعنى المعرفي، والمعنى الشعوري، والمعنى العام ()
أمَّا علم الأسلوب بوصفه علمًا موازيا لعلم الدلالة، فـهو يدرس ويعـالج مـا وراء المعنى المعرفي أو الـمعنى التعبيري الشعوري، و بـذلك تتضح الـنظرية التعبيرية، وتتجسد ضمن بحث علم الأسلوب ()
ومنه كانت الدعوة من قبل الأسلوبين المحدثين لأن ينهض علم الدلالة بتفسير الاستعمالات الشعرية الدلالية فـي اللغـة، ومعالجـة لانحرافات، وتحليل العملية الإبداعية المجازية لمختلف هذه الاستعمالات.
إذ أن الوحدات المعجمية مجرد نقطة انطلاق لسلسة بحث لا نهائي عن المعنى الذي يتعدد ويختلف باختلاف السياقات والنصـوص ()؛ ولا يتوقـف الأمر على هذا فقط ، بل إنّنا نجد أنَّ المعنى يمكن أن يتعدد و يختلف من خلال القارئ والمحلل اللغوي الذي يقوم بتفكيك النص, حيث تنشقّ عن قائمة من المعاني أو المفاهيم التي تدل على فكرة مبعه وثقافته من خلال شبكات دلالية.
وارتكازًا على ما سبق فمن الطبيعي أن يستعمل الشاعر الصورة للتعبير عن الحالات الغامضة، والتي لا يمكنه التعبير عنها مباشرة، فيلجأ للخيال لأنّه عماد العمل الشعري().
إنَّ الصورة التعبيرية التي نقصدها لا تسـاعد فقط على جمع الشتـات لخلق عمل عضوي كامل بل إنّها تصنع من الجزئيات المتنافرة إطارًا فنيًّا إبداعيًّا، فنعثر من خلالها على تجربة فنية تنطوي على أخرى واقعية، أو تعبر عن الواقع من وجهات نظر ورؤى الشاعر.
إن الشاعرة ليلاس زرزوركأحد شواعر المهجر المعاصرات تتفاعل مع الألم الإقليمي على اختلاف المكان والاحداثات الزمانية للواقع ولأن الشاعر هو الأكثر إحساسًا عمن سواه بعمق الألم الذي يصيب أخاه الإنسان أينما كان، فإن الجرح الذي أصاب إنسانية الشاعرة، جراء ما ألمّ بأخوتها في الرسالة الإنسانية والواقع الذي صاروا عليه، جعل الشاعرة تطلب منهم الصمود ومواصلة رسالتهم الإنسانية في نقد الواقع العربي ووالأحداث التي يمر بها هذا الواقع، لتذكرهم بأن الكون والإنسان معًا هما هدف الإدراك وغاية المعرفة، وتبين لهم أن المكان وجدرانه وأسواره المنيعة لا يعني لأمثالها سوى محراب تبث من خلاله رسالتها الانسانية التي تحمل البشر بأن كل همّ الإنسان ومعاناته أمر عابر لا تصمد أمام صموده، وستزيل مشيئة الأحرار هذه المعاناة، وفي هذا الصدد تقول عن زلزال الذي ضرب بلاد المغرب العربي:
“ببالغ الحُزن والأسى نعزّي أخواننا وأهلنا في المغرب العربي بعد حدوث الزلزال المُروّع نسألُ الله سبحانهُ وتعالى أن يتقبّل شهداءهم ويعافي جرحاهم ويخفّف عنهم المصاب..ويُجنّب بلاد المسلمين والعالم بلاء الزلازل وويلاتها إنه سميع مجيب..اللهمّ ارحم الشهداء واشفِ الجرحى وخفف البلاء إنَّك أنت السميع المُجيب”.
سَـلامٌ منَ اللهِ للمَغرَبِ
لشَعبٍ عَظيمٍ تَقيٍّ أبي
الى أهلِنا حيثُ حَلَّ البلاءُ
فَظيعاً بزلزالِها المُرْعبِ
بَعَثْنا قُلوباً ودَعوَةَ صدْقٍ
وَدَمْـعاً هَتوناً معَ المَوكبِ
فياربُّ ندعوكَ أنتَ الرحيمُ
وَليسَ لأمرِكَ مِن مَهْرَبِ
فخَفّفْ على أهلنا في المَصاب
وَمِنْ غَيرِكَ الغوثَ لمْ نطْلُبِ
*******
إننا نقصد بالواقـع تلك العوالم المادية المحيطة بالشاعرة، ليلاس زرزور والتي منها تستمد تجاربها الشعورية و الشعـرية، وعالـم الـواقع حافـل بشتى الصور الحياتية، ويمكننا في هذا الصدد أن نحصر عوالم الواقـع في صنفين هامين وهما:
الموجودات المادية: وتـتفرع إلى مـوجودات حسية، وأخرى كونية طبيعيـة وثالثة حوادث تاريخية.
المجردات المعنوية: وتتفرع إلى مجردات عقائدية، وأخرى اجتماعية، وثالثة فلسفية تأملية، ولكل مجال من هذه الموجودات والمجردات مفردات ووحـدات لغوية دلالية خاصة به تتضافر فيما بينها لتكوين علاقات مختلفة تساعد على بناء البعد الدلالي العام و الموحد الذي ترمي الشاعرة إلى بنائه من خـلال مجموعـة أبيات أو قصيدة ما.
وقد احتفت الشعرة ليلاس زرزور بنماذج من كلمات محورية و مرجعيـة معًا، وفق رؤيتها لتنقل الدلالة من عالـم الواقع والمرجع إلى معانٍ فكـرية خاصة، و من ثمـة إلى معانٍ شعورية وذاتية تقاطعت دلالاتها وتقاربت لتشكل إطارًا أو مجـالا خاصـا عبرت فيه الشاعرة عن حالة خاصة، أو وضعية، أو شعور تجاه ما ألم بهذه البقعة الغالية من الوطن العربي جراء الزلزال؛
وقد أورد الشاعرة معالم الواقع في صور (الإنسان والمتمثل في “شعب المغرب الشقيق” – التقوى وهي سمة الشعب ” لشَعبٍ عَظيمٍ تَقيٍّ أبي” – البلاء والذي حلَّ بهذا الحدث الكوني “الزلزال” – الدعاء والابتهال إلى الله تعالى لتخفيف المصاب” وهي موجودات حسية ومادية ومعنوية نقلت من معانيها المعرفية إلى معانٍ شعورية للتعبير عن شعور الألم والمؤاذرة لشعب شقيق في محنته، فالبعد الدلالي الكلي؛ هو رصد الحدث الواقعي وسبل العلاج فاتخذت مـن صـور المرجع مطية وسبيلا لتصويره، ومنه تبرز بعض العلاقات الدلاليـة بـين هــذه الصـور، فالإنسان محور هذه العلاقة وهو الذي نزل عليه البلاء، ثم التقوى الذى اتسم بها ذلك الانسان وعلاقتها بالمصيبة فالبلاء دائمًا يكون على قدر الإيمان كما في الحديث الشريف “يبتلى المرء على قدر دينه ثم رصد كنه المصيبة “الزلزل” واخيرًا كان الخلاص وهو الدعاء وعلاقته بالبلاء كما هو معلوم من الدين بالضرورة أنَّ الدعاء يرفع البلاء.
وفي نفس الإطار ترصد الشاعرة ليلاس زرزور حدث آخر في مكانٍ آخر فترصد الإعصار الذي أطاح بدولة ليبيا الشقيقة وتقدم لشعبها التعازي حيث تقول:
“ببالغ الحزن والأسف والأسى نُعَزّي أهلنا وأحبابنا وأخواننا في ليبيا بعد هول الإعصار الذي أزهقَ الأرواح وترك الديار كأنها قفار ..
نسأل المولى عزَّ وجل أن يتقبلهم شهداء لديه ويشفي الجرحى ويمنح السكينة لهم ويخفّف مصابهم ..ويجنّب بلادنا غضب الرياح والأعاصير إنه سميعٌ مُجيب”.
****
ياربُّ أنتَ الراحمُ الغَفّارُ
أبكي لدرنَةَ والدُموعُ غِزارُ
فهَبِ السَكينةَ والأمانَ لأهلِها
من هَولِ ماقد دَمَّرَ الإعصارُ
أخَذَتْهُمُ الأمواجُ في هَيَجانها
وَبَكتْ عليهمْ أرْبُعٌ ودِيارُ
فَتَغَمَّدِ الموتى جناناً واشفِ مَنْ
شَدّوا الجراحَ وفي الأضالِعِ نارُ
وابعدْ بلاءَ الريحِ إنْ جاءتْ لنا
غضبى فأنتَ القاهرُ الجبّارُ
****
فالأبيات تحفل بصور روحانية وجدانية وصور أخرى من الواقع، و هي صور مادية، فتجد مثلًا (الثناء – البكاء – الدعاء – البلاء – ثم الختام بالخوف والرجاء والدعاء والثناء)
وقد جمعت الشاعرة ليلاس زرزور بين هذه الصور من مجال الموجـودات لتعبر بها عن بعد دلالي واحد إجمالًا، وهو التأكيد على الابتهال والدعاء والثناء لله عز وجل فمن هول الحدث بدأت الشاعرة بالثناء على المولى جل وعلا “ياربُّ أنتَ الراحمُ الغَفّارُ” ومن الثناء إلى المشاركة الوجدانية حيث البكاء من أثر ما خلفه الإعصار من دمار، ومن التضامن الذي أجرى الدمع بقلب الشاعرة إلى الدعاء ثم وصف الحدث ومشاهد الدمار ورائحة الموت التى سببها الإعصار، ومن ثم تقاطعـت هـذه الألفـاظ بدلالاتها في علاقات أهمها: “التضاد” بين (السَكينةَ والأمان) وبين (الهول والدمار والفزع” والتضاد أيضا بين الجنان “الجنة” وبين النار وإن كانت نار على إثر الجراح التي سكنت القلوب، وبذلك تستخدم الشاعرة التضاد الذي يعتمـد على تخصيص الدلالة في اللفظة المقابلة (للسكينة) بصفة الفزع (الهول)، وكذا تخصيص لفظة (الأمان) في اللفظة المقابلة لصفة الخراب “الدمار” والمراد هنا بالتخصيص تضييق مجال استخدام الدلالة بحيث تصبح مقصورة على مساحة دلالية خاصة بالحدث؛
كما أننا نلاحظ في الأبيات علاقة الترادف بين (الرحمة) وبين (المغفرة) في مستهل الأبيات ثم علاقة الترادف أيضًا بين (السَكينةَ) وبين “الأمان” وكذا تتضح علاقة التردف بين (الهَولِ) وبين (الدمار) ثم أيضًا الترادف في أخر ألفاظ الأبيات بين (القاهر) وبين (الجبّار) وقد جمعت الشاعرة هذه العلاقات الترادفية للتأكيد على المعنى في دعم الدلالة المراده والتي تحتويها رسالتها الشعرية التى بثتها للإنسانية في هذه الأبيات.
وحسبما نلحظ أيضًا هناك علاقة هامة وهـي علاقة التدرج في عرض الحدث فمن الثناء إلى التفاعل الحسي الشعوري والبكاء ثم الدعاء وتلاه الوصف والرصد لما خلفه الزلزال من مشاهد الدمار ثم الدعاء العام لنا جميعا إن حل بنا البلاء، وهو انتقال زمكاني “مكاني – زماني” من ظاهرة التخصيص للحدث إلى علاقات تبرز الوحدة الدلالية العامة التي أوردتها الشاعرة في نهاية الأبيات فالريح من جند الله وهو سبحانه الذي يرسلها على من يشاء ولذا تبتهل الشاعرة إلى الله تعالى بأن يبعد بلاء الريح إذا جاءت غضبى فهو الواحد القاهر الجبار فجلَّ شأن الله.
وارتكازًا على ما سبق نرى إنَّ الشاعرة ليلاس زرزور احتفت بالموجودات الكونية في المقطعين السابقين ونعني بالموجودات الكونية تلك المظاهر الطبيعية الكونية التي تتجلى في الظواهر الطبيعية: الرياح – الزلازل – الأعاصير – وما نتج عنها من عصف الأمواج بالديار والكائنات، على أنَّ استخدام الموجودات الكونية في النصوص الإبداعية واسع وعريض، اتخذت منه الشاعرة سبيلا للتعبيـر عن بعد دلالي واحد، و بذلك تم التضيق من سعة هذا المجال بالجمع بين موجودات معينـة تتقاطع دلالاتها للتعبير عن دلالة واحدة ترصد حدث واحد، وقد استخدمت الشاعرة الواقع للتعبير عن قضايا فلسفية / فكرية / دينية، تبنى على علاقة الإنسان بخالقه والاستعانة به سبحانه وتعالى واللجوء إليه في البلاء.
أبعاد الموقـف ودلالاته
الموقف هو السلوك المادي أو المعنوي الذي يتخذه الشاعر إزاء قضية أو حالة أو مضمون معين كطرف يمثل (الأنا)، في مقابل موقف الأطراف الأخرى التي تمثل (الآخر)، و التي تتخذ من القضية أو الحالة أو المضمون موقفا آخر مساندا أو معارضا، وعادة ما يظهر هذا الموقف عند جميع الأطراف الفعالة بالعمل الشعري في شـكل حدث أو حركة (فعل)، أو في شكل صفة أو حالة تترجم هذا الموقف، وغالبا ما تسـير هذه الـمواقف أو الـصفات أو الأحـداث في مجالات معينة تترجم بعدًا دلاليا واحدا في تلاحق وتكامل و تواشج دلالات الفعل أو الصفة فيها رغم الفروقات الدلالية بـين هذه الأحداث أو الصفات، وبهذا الصدد سنتناول أبعاد الموقف في شعر المهجـر وفق مجالين هامين هما: مجال الحدث، والذي يتفرع إلى حدث الأنا و حدث الآخـر و مجال الصفة / الحالة و الذي يتفرع كذلك إلى حالة الأنا و حالة الآخر.
وقد توصلت اللغويـة الأمريكيـة يوجين نيدا إلى وضع تصنيف آخر في بناء الحقول الدلالية، ويوصف هذا التصنيف بأنّه عالمي إذ يحتوي على حقل الموجودات، والمجردات، و العلاقات، والحوادث، و يعد هذا الأخير من أهم الحقول الدلالية، إذ يشمل الكلمات التي تعبر عن الحـوادث المختلفة، ويتلخص فيما يطلق عليه بالفعل()؛
وتحديد دوره في تركيب الجمل إذ تعد التمثيلات الدلالية للجمل التي تؤلف عناصر التركيب وتعيين العلاقات النحوية داخل هذه الجمل الفعلية هامة وضـرورية، إذ تـساهم في اغناء الـبحث الدلالي وخاصـة إذا صاحب هذا التحليل الاهتمام بـالأنساق الصرفية للعناصر التركيبية داخل الجمل ()
أمَّا نظرية المجال أو الحقل الدلالي في علم الدلالة الحديث، هـو اتجـاه يسـتمد إجراءاته من أبحاث ذات صبغة تاريخية صرفة قـام بها الـعالم اللغوي ج – تريـي في كتابـه (علم الـدلالة التاريخي) عـام 1931 م ()؛ إذ تعتمـد هـذه النظرية على الفكرة المنطقية التي تؤمن بأن المعاني لا تـوجد منفردة الواحدة تلــو الأخرى في الذهن، بل لا بد لإدراكها من ارتباط كل معنى منها بمعنى آخر، فيتكـون بذلك المجال الدلالي من مجموعة من المعاني، ()، أو الكلمات المتقاربة التـي تتميـز بوجود عناصر أو ملامح دلالية مشتركة، وكما يقول أصحاب هـذه النظريـة: إن الـكلمة لا معنى لها بمفردها، و لكنها تكتسب معناها في ضـوء علاقاتهـا بالكلمـات الأخرى، و أن معنى هذه الكلمة لا يتحدد إلا ببحثها مع أقرب الكلمات إليها في إطـار مجموعة واحدة تعبر عن دلالة مشتركة.
ومن المُسلم به كذلك أن الفعل النحوي رغم بساطته وبـروزه فـي التراكيـب اللغوية نثرية كانت أو شعرية إلا أنّه قد يكشف عن مخالفات و فوارق دلاليـة جوهريـة()؛ فهناك أفعال مدركة ماديا (قم/ خرج / قف)، وهناك أفعال مدركة معنويا مثل (أراد- فكَّر – فَهم (وإدراك كيفية توظيف هذا الفعل وعلاقاته بالنسق الــدلالي الشـامل يـساعد على بناء فهم موضوعي.
وقد اهتم شعراء المهجر بدلالة الفعل البشري في العمل الشعري وعملـوا على تشكيله وفق تصورات و ميول شعرية خاصة، و اتخذوه مطية لتصوير مواقـف إنسانية تنم عن أبعاد إنسانية معينة، وموقف الشاعر نفسة تجاه حدث معين ومن هذه المواقف نذكر موقف الشاعرة ليلاس زرزور تجاه سقوط الأندلس وهو ما عبرت عنه في قصيدة “غرناطة” حيث تقول:
****
قِفْ للتي في ثَراها المَجْـدُ قد وَقَفا
وَلْتَعْذُرِ الدَمْـعَ مِن عَينيكَ إنْ وَكَفا
وَزِدْ فُؤادَكَ صَبْراً في مَرابِعِها
واسْرَحْ بَعيداً إلى الماضي الذي سَلَفا
وَقَفتُ في مَدخَلِ الحَمراءَ ناظِرَةً
والرُوحُ تصْرُخُ ياحَمْراءَ وا أسَفا
فلمْ يَزَلْ عطْرُ أجدادي بها ولَهُمْ
شَواهِـدٌ ملَأتْ تاريخَها شَرَفا
رَوضٌ من الخُلْدِ شيّدْنا مَعالِمَهُ
وقد أضعْناهُ لمّا أمرُنا اختَلَفا
لولا التَفَرُّقُ ماجاءَ العَدوُّ لنا
ولاتَمادى وَلا مِن مائنا اغتَرَفا
وَليسَ من أُمّـةٍ تسْعى لفُرقَتِها
إلاّ وَصارتْ إلى أعدائها هَدَفا
فَلْنَتَّعِظْ حينَ ضاعَتْ شمْسُ أندَلُسٍ
مِنّا كلُؤلُؤةْ قد فارقَتْ صَدَفا
مازلتُ أسمَعُ صوتاً من مَنائرِها
يُكبّرُ اللهَ دهراً فوقها هتفا
ماءٌ زُلالٌ وَجَنّاتٌ تُحيطُ بها
وَقَصْرُها دَهْشَـةٌ للفَنِّ إنْ وُصِفا
مازالَ يحْضُنُ أحْـلاماً مُخبّأةً
ظلّتْ وغابَ عَويلُ الريحِ وَانصَرَفا
****
في الأبيات نسق من الأفعال والأحداث الصادرة من ذات الأنا مع الآخر والتي ركز فيه الشاعرة ليلاس زرزور على مكانة الفعل في الحدث، ودوره في بناء النسق الدلالي مثل (قف / زد / اسرح / وقفت / تصرخ / تسعى / صارت / ضاعت/ أسمع) وكلها أفعال ذات مـعانٍ تـصور مـواقف معينة، فـتنم عن دلالة الوقوف على أبواب التاريخ والتأمل والتفكر والتساؤل بين أين كنَّا؟!!!، وكيف أصبحنا؟!!!.
ارتبطت هذه الأفعال بمفردات مـن عـالم الحس وهي بدورها مرتبطة بأوصاف معنوية حسية خاصة بالسمع والرؤية والفؤاد والمشاعر والتي أتت في شكل أحداث تابعة ومرتبطة لأحداث الأنا والآخر وكأنها تقول أيها السائل عن المجد والحضارة قف وتأمل فقد وقفت أنا بتلك المدن وعبرت العصور والأزمان لأشتم عبق التاريخ.
ولأن الشاعرة ليلاس زرزور تبحث عن الجمال وتتلمسه في كل الاشياء التي أحاطت بها وشاركتها وجودها، فأينما وجد لمحة من لمحات الجمال أو لفتة من لفتاته إلَّا وصاغتها في قالب شعري، وقيدتها باحرف رشيقة وكلمات رقيقة، فما بين عبق عطر الأجداد في مَدخَل مدينة الحَمراءَ وبين ” شَواهِـدٌ ملَأتْ تاريخَها شَرَفا” هناك جنة من المعمار الخالد “رَوضٌ من الخُلْدِ شيّدْنا مَعالِمَهُ” ورغم هذا الوصف البديع فقد تلمح غصة ألم وهالة حزن تتقوقع في ذات الشاعرة على ضياع هذه الفنان الشاهقة حينما أختلفنا في الأمر.
وقد كان لرؤية التطور العمراني في الأندلس -غرناطة- أثر بارز في تطور فن الوصف عند الشاعرة ليلاس زرزور فتراها تصف المعالم وكأنها قطعة من الجنة “ماءٌ زُلالٌ وَجَنّاتٌ تُحيطُ بها *** وَقَصْرُها دَهْشَـةٌ للفَنِّ إنْ وُصِفا” نعم لقد حفلت مدنها بالقصور الانيقة التي ولع الملوك والامراء بها واسرفوا في زغرفتها والحقوا بها البساتين وجداول الماء التي تحيط بها التماثيل من كل جانب.
مجال الحدث
أما مجال الحدث فقد اضطرت الشاعرة إلى التعبير عن سلوك الذات الأخرى المقابلـة لتصـف الحدث الصادر منها سواء أكان ماديا أو معنويا، ومنـه يتضح موقـف الشـاعرة من الحالة أو المضمون عبر تشكيل أنساق الـحدث الدلالية الـمجسدة لموقف الآخـر من خلال أفعال تصدر عن الذات مباشرة، أو عن أشياء تتعلق بها (الـنفس / القلـب / الجـوارح)، وعادة مـا يخاطب الشاعر ذات الآخـر في صـيغ مفردة أو جماعية، كما حدث وخاطبة ليلاس ذات الآخر في صوة المفرد “قف – ولتعذرالدمع – وزد فوادك” وذلك للتعبير عن سلوكها حين وقفت هناك على أسوار التاريخ المجيد.
فقد انبهرت الشاعرة ليلاس زرزور بهذا الجمال الضارب بجذوره في عمق التاريخ ولا يزال شاهد على الحضارة الإسلامية في الأندلس عبر الزمن واظهرت اعجابها الشديد به، كما مزجت عبر وصفها للجمال بين الطبيعة الصامتة المتمثلة (جداول الماء – الحدائق والجنان – معالم الروض – القصور المدهشة – الفن) وبين الحالة الوجدانية في الذات الشاعرة المتحركة المحسوسة والمسموعة المتمثلة ( مشاعر الفؤاد – صراخ الروح – سماع صوت الأصداف والتكبير) ثم تطلب من الآخر أن يقف ويستشعر هذه الأجواء كما وقفت هي ورأت الجمال واستشعرت الغصة وعذرت الدمع فهل يشعر الآخر ويتعظ ويدرك بعدما “ضاعَتْ شمْسُ أندَلُسٍ” تلك البقعة الساطعة في تاريخ الأمة، التي يحقّ لكل من في قلبه مثقال ذرة من شعور أن يحزن عليها.
تم تستمر الشاعرة في الوصف وهي في روض الجمال فتقول:
****
لاغالبَ اليوم إلا اللهَ تقْرَؤها
على النُقُـوشِ التي مامِثلُها عُرفا
والزُخْرُفاتُ لها صَوتٌ بأخْيلَتي
كَصوتِ زريابَ إنْ غَنّى لمنْ عَزَفا
كأنَّ زُخْرُفُها يُرثي لنا قَمَراً
قد غابَ عَنّا الى المَجْهولِ وانخَسَفا
وَهذهِ البِرْكَةُ الحَسناءُ مافَتئَتْ
تَزيدُ قَلبي إلى سَلسالِها شَغَفا
غرناطَةُ المَجْـدِ قد ضاعتْ مَلامِحُنا
والجُرْحُ شَكّلَ في التاريخِ مُنعَطَفا
لكِ الزَمانُ انحَنَتْ أحقابُهُ عَجباً
وظلَّ قَصْرُكِ فيها شامِخاً أنِفا
فأنتِ شمْسٌ مدى الأيّامِ مُشرقَةٌ
والنورُ منكِ تَحَدّى الليلَ والسُدُفا
للهِ درُّ الليالي في تَقَلُّبها
وللزَمانِ إذا بالناسِ قد عَصَفا
مازلتُ أنظُرُ في عَينِ الخَيالِ لها
والرُوحُ تَهْمِسُ يادَمْعَ العُيونِ كفى
حتّى رَجعْتُ وآهاتي لها غُصَصٌ
بينَ الضُلوعِ وقلبي ظلَّ مُرتَجِفا
****
في الأبيات السابقة لقصيدة غرناطة نجد أن الشاعرة ليلاس زرزور وحَّدت مجال الحدث بين حالة (الأنا) وحالة الذات المقابلة (الآخر) في مجموعة أحـوال (يُرثي لنا – غابَ عَنّا – ضاعتْ مَلامِحُنا)، وهي دلالات تنطوي على دلالة الاشتراك في الهموم والظنون، كما تنطوي على دلالة الحزن والكـرب، والهم المشرك، في حين انفرت الذات الشاعرة بمشاعر (الأنا) والتي تفوق حالة (الأخر) أضعاف لأن الشاعر غالبا يتأثر ويشعر بالمواقف والأحداث أكثر من أيَّ إنسانٍ آخر ولذا فقد نلمح تصعيد الحالة التي انتابتها بالغوص في الألم والغصَّة وحدها دون غيرها في أحوال أخرى أجادت الشاعرة في التعبير عنها ببعض الكلمات مثل (صَوتٌ بأخْيلَتي – تَزيدُ قَلبي – مازلتُ أنظُرُ – حتّى رَجعْتُ وآهاتي لها غُصَصٌ – وقلبي ظلَّ مُرتَجِفا).
ونلحظ أنَّ الشاعرة ليلاس زرزور عمقت التفاعل بين أحوال الـذات والذات المقابلة بـمفردات تصـف حالة الذات المقابلة (الآخر) بعرض سلوكها من خلال نسق دلالـي معيـن في هيئـة صفـات، أو أحوال، أو أخبار، واتخذت من هذه الذات مواقف معينة تعارض أو تسـاند مواقفها التي تنكشف من خلال السياق أو البعد الدلالي العام والموحد ، و قد تعرضت الشاعرة في هذا الـمجال إلى الصفة الـمباشرة في الأنا الـمقابلة، كما قد تعـرضت إلى بعض متعلقاتها، وقد صيغت بكيفيات مختلفـة، وتداخلت بعلاقات مختلفة، حيث ساهـمت تلك العلاقات بطريقتها في إبراز حالة التأثير والتأثر في الموقف الدلالي بين الأنا والأخر وفي أغلب المواقف تخاطب الشاعرة الذات المقابلة (الآخر) في صيغة الجماعة وهو معنى يؤول إلى الإجلال والإكبار والمشاركة ووحدة الضمير الجمعي في الفكر الواحد والافتخار بالمقدسات والمرجعيات التاريخية، وكذا وحدة الشعور بالحزن والهم المشترك.
وارتكازًا على ما سبق
– في إطار الأبعاد الدلالية لحدث الأنا نرصد تعدد هذه الأبعاد بتعدد المواقف، فمـن الإحساس بقيمة الحضارة إلى النشوة والابتهاج، نتيجة التجول في ارجاء التاريخ والمدن، إلى شعور الأسى لضياعها والـتحدي، والـوفاء، والإخلاص لتاريخ أمة ملكت ربوع الكون، وقد نـوَّعت الشاعرة ليلاس زرزور في تقنيات التعبير عن حدث الأنا بصفة مباشرة، أو بالتركيز على أحد متعلقاتها؛ كالــقلب، أو النفس، أو الروح، أو لجوء الشاعرة إلى حدث الأنا المقابلة، وبيان علاقتهـا بأحداث الأنا، كما قد لجأت الشاعرة إلى معاملة الذات بصيغة الجموع (الأنـوات) لغايات ذاتية.
– أما علاقات المجال الفرعي، فقد سيطر الترادف والتدرج على بقية العلاقات ليلاس زرزور ولوعة بالبحث عن صور مختلفة نفسية ووجدانية ومادية لأفعالها، كما تسعى جاهدة عبـر التدرج للوقوف على أبعاد ودرجات هذا الفعل أو الحـدث، ونلاحـظ كـذلك تفضيل الشاعر لاستعمال الأزمنة الماضية والمضارعة، وسيطرة أفعال الماضي تنم عن اقتناع الشاعرة بما فعلت بل تسعى إلى ترديد أفعالها في مواقف كثيرة وإذا التفتت إلى المضارع فتوظفها للتعبير عن أفعالها المقبـلة، وتبشر بهـا في قـوالب الحزن أو الأسى أو للـدلالة على استمرارية أفعالها و أثرها في المحيط والواقع .
– أما في الأبعاد الدلالية لحدث الآخر فقد عددت الشاعرة في وصف المواقـف، فمـن التحدي، إلى السخط، والإكبار، وفيها نوَّعت الشاعرة كذلك في تقنيات التعبيـر عن حدث الآخر، فمن اتخاذ صيغة الأفراد إلى صيغ الجموع، إلى تقنية المقابلـة بين حدث الأنا، وحدث الآخر مع الاعتماد على حدث الآخر كمنطـق لتصـوير الموقف.
ظلت الطبيعة بالنسبة للشعراء ملاذًا وملجأ لهم يبثونها همومهم وأحزانهم وأفراحهم وأتراحهم إلا أن جانب الفرح والطرب غلب على وصف الطبيعة، بيد أنَّ تلك الطبيعة تشاركهم أحوالهم وشعورهم ومواقفهم مشاركة وجدانية فتفرح كما يفرحون وتحزن كما يحزنون .
ولقد اقتحمت الطبيعة في قصيدة غرناطة ميدانًا من ميادين الشعر يبدو للمرء ألَّا رباط بينهما، ونعني به ميدان القول في الشكوى والتحسر، فالطبيعة بسمة ومتعة وأمل وإشراق، بينما الشكوى حسرة ويأس وكآبة وحزن ولكن الشاعرة ليلاس زرزور بموهبتها وملكتها الإبداعية استطاعت أن تجمع بين الضدين، وأن تؤلف بين النقيضين، كما نرى قصيدنها التي بين أيدينا.
ولم يقف وصف الطبيعة في قصيدة غرناطة عند الوصف الخارجي والاقتباس من بهرجها وبريقها إذ كانت علاقة الشاعرة بالطبيعة أكثر من ذلك أو أعمق، فقد خلعت عليها أحاسيسها ومشاعرها وأعطتها من نفسها وخلجاتها وامتزجت بها شعريًّا وانسانيًّا، فكانت ترى فيها صورة من نفسها ومرآة لأعماق شخصيتها موظفة إياها لتصوير لواعج نفسها وأحاسيسها وما انتابها من مشاعر تجاه مدينتنا العصماء غرناطة درَّة الأندلس.
الحنين إلى الوطن
يعد الشعر الوطني ضاربًا بجدوره في الأدب العربي إلى عمق التاريخ منذ العصر الجاهلي وحتى يومنا هذا، فقد أبدع الشعراء في قصائد عديدة تغنت بحب الوطن وما الوقوف على الأطلال والحنين إلى الديار إلا مظهرا من مظاهر ذلك الحب، ولقد عظم هذا الحب ونما في العصر الحديث، عندما هدد الاستعمار الغاصب الأوطان، فراح المثقف العربي وعلى رأسهم الشعراء يتغنى بحبه للوطن ويدعو للدفاع عن الأوطان بالغالي والنفيس.
ولقد تميز الشعر العربي على وجه العموم بالميل إلى إثارة الموضوعات الوطنية في الوجدان الإنساني، وجعله رسالة وطنية حتى أصبح كثير من شعراء الأمة العربية، شعراء قضية، ما أدى إلى انحسار شعر الوجدان الخاص إلى حد ملحوظ، ليفسح مجالا متسعا الشعر الوجدان العام، الذي احتدم بمشاعر التمرد، والرفض؛ لما حاق بالأمة من آثار التخلف والتمزق، وما يخطط له المستعمرون وأعوانهم () .
لذلك ينبغي أن يمتزج الشعر الوطني بالوجدان العام، لأن الشعر لا يخلو من الوجدان، والعاطفة، في أنواعه كلها؛ كي يعمل على إثارة المشاعر في نفس المتلقي، والشعر الذي لا يتصف بهذا الوصف، لا ينبغي أن يسمى شعر () .
وحب الشاعر لوطنه جاء بأدب متفائل، ولكنه تفاؤل حالم ، فبعدما رأى واقع أمته المرء الذي يسيطر عليه الاستعمار، وينهب خيراته؛ راح يقترح حلولا تبقى مقتصرة في فضاء الخيال.
أنَّ الوطن يمنح خيراته وعطاءه لمواطنيه، عندما يقوم المواطنون بما هو مناط بهم من واجبات الدفاع عن وطنهم، والتفاني من أجله، وتبقى القصائد الوطنية في بوتقة الخطابية والمباشرة غالبًا لأن أهمية الأدب ليست في طريقة قوله فحسب، وغنما بما يقوله أيضًا()
وعلى هذا النهج في سبر اغوار السبيل مضت الشاعرة ليلاس زرزور تصور أمال الوطن، وأمال شعبه بنظرة تأمل وعمق إيمان بقدرات وطنها على تخطي المحن، على الرغم من مرارة الواقع، وسوداويته، وهذا الإيمان والوفاء للوطن لابد أن يتم بالتضحية والفداء، فنراها تبكي حلب والياسمين السوري في قصيدة “على ضفاف الحُزن” حيث تقول.
****
حلّ الذُهولُ بخاطري وشُعوري
وتصحّرتْ رُوحي وغابَ سُروري
صمْتٌ وحُزنٌ قد أذابا مُهجتي
ذوبَ الشمُوعِ بمعْبَدٍ مَهجورِ
وَتعبتُ من ليلي ومن آهاتهِ
وبقيتُ في قلقي وفي تفكيري
لن تَفهَمَ الحيطانُ شجوَ حزينةٍ
أو تسْمعَ القُضبانُ نَوحَ أسيرِ
أبكي ؟ وهل يُجدي البُكاءُ لمنْ رأتْ
تحتَ الرُكامِ يموتُ وَرْدُ الجوري؟
قلبي توَشَّحَ بالسوادِ على رُبى
حلبٍ وَفوقَ تُرابِها المَعطورِ
وَعلى ضحايا ذلكَ الزلزالُ في
شتّى البقاعِ نَثَرتُ عطْرَ زُهوري
وَوَقفتُ باكيةً لمنْ قد رُوِّعوا
وَتَدَثَّروا بجنادلٍ وَصُخُورِ
والشِعْرُ مِرسالُ المَحبّةِ بيننا
وإلى جَميعِ الناسِ خيرُ سَفيرِ
وَأُراقبُ الأحداثَ في رُوحٍ بَدتْ
فَوق الحُطامِ تَدورُ كالعُصْفورِ
أرمي على الأرضِ الخَرابِ مَدامعي
وأنا أدورُ أدورُ كالناعورِ
***
إنَّ ليلاس زرزور أدركت أنَّ هناك أشياء تستحق أن ينشد لها الشعر ويتغنى بها ، لكن إنشاد الشعر عن الوطن ربما تعدى حدَّ الاستحقاق إلى الواجبات فيصبح من الواجب على الشاعر أن يرصد الحدث الذي تمر به بلاده، هذا ويعد للشعر الذي يحمل التيمة الوطنية مذاقًا خاصًا ومختلفًا، ومن الممكن أن نقول أن كتابة الشعر عن الوطن هو من أهم الخطوات التوثيقية التي تسجل لحظات تاريخية وأوضاع أدبية واجتماعية تمر بها شعوب العالم، وكذا نقطة تحول في تاريخ الشاعر نفسه فعند الكتابة عن الوطن يرتقي الشاعر الدرجات العلا ولم لا وهو يحمل قضايا وطنه وربما تعدي القطر إلى الإقليم وعندها يدرك الشاعر وظيفة الشعر حين يكون الشاعر لسان حال أمته وهو تكليف وتشريف في آنٍ معًا يمنحا الشاعر أغلى الأوسمة.
لا شك أن لكل إنسان قضية في هذه الحياة، والناظر إلى الأبيات السابقة يدرك تمام الإدراك أنَّ قضية الشاعرة ليلاس زرزور هي محيطها التي تسعى بأن يكون عملها الإبداعي منصباً على قضاياه، من خلال محاولات صياغة حياته واقع الوطن، وظروفه وتكييفها، ومعالجة سلبياتها ورصد ما يمر به من أزمات، إن مادة الفن هي الإنسان في منظومة علاقاته المجتمعية، وما يحيط به من بيئة طبيعية واجتماعية، فالإنسان يعيد صياغة الواقع بأسره، ويظهر لنا أن جلّ الشعراء قد فهموا رسالة الأدب وغاياته، فلا يكاد يخل ديوان لشاعر من تناول قضية إنسانية، وليست بالطبع في محيط الوطن المولد أو الوطن الانتماء، فحسب، إنما في أرجاء الكون كافة، وهذا ما يعكس إنسانية هؤلاء الشعراء ومنهم الشاعرة ليلاس التي عمُّ الحزن كلماتها تبكي الوطن وتحاكي الجمادات فلم تفهم “الحيطانُ شجوَ حزينةٍ” فعلى أثر ما خلفه الزلزال المروع الذي ضرب وطنها كانت دموعها مدرارا على أطفال كالورود واراهم التراب ” تحتَ الرُكامِ يموتُ وَرْدُ الجوري؟”، تقف الشاعرة وقفة حدادٍ يعتصرها الحزن والأسى حتى أن قلبها “توَشَّحَ بالسوادِ على رُبى *** حلبٍ وَفوقَ تُرابِها المَعطورِ” بهذه المشاركة الوجدانية الراصدة أستحقت الشاعرة أن نطلق عليه اسم شاعرة القضايا الإنسانية لما تشمل عليه أغلب قصائدها من هم وطني وقومي وإنساني، فترى الحرف عندها يتوجع، والمعنى يتأوه همًا وغمًا لما يعانيه بنو جنسها من محن تزداد يوما بعد يومٍ، سواء كانت هذه المصائب من بني جنسها أنفسهم أو من فعل القدر والمظاهر الكونية التي باتت غاضبة على بني البشر.
وتستمر الشاعرة في تسليط الضوء على تفاصيل اللوحة السابقة، بعد أن تنظر إليها من زاوية أخرى حيث ذهبت إلى هناك فتراقب “الأحداثَ في رُوحٍ بَدتْ *** فَوق الحُطامِ تَدورُ كالعُصْفورِ” ما أرق أن تستشعر الموقف بقلبٍ شفيف ولأن الشاعر هو الأكثر إحساسًا عمن سواه بعمق الألم الذي يصيب أخاه الإنسان أينما كان، فإن الجرح الذي أصاب إنسانية الشاعرة، جراء ما ألمّ باخوانها في الرسالة الإنسانية والواقع الذي صاروا عليه، جعل الشاعرة فيما توارى بين السطور تطلب منهم الصمود ومواصلة رسالتهم الإنسانية في نقدها لواقع المأساة والحدث المأزوم، تذكرهم بأن الكون والإنسان معًا هما هدف الإدراك وغاية المعرفة، رغم البلاء ولذا فقد رمت بمدامعها على الأرض الخراب لتبدأ مرحلة جديدة ربما كانت فيها البشرى والاستبشار حيث تقول:
****
وَأُهادنُ الأحزانَ وهي تلوحُ في
كلِّ الرؤى وَتسيلُ بينَ سطوري
آهٍ من الدُنيا وَمن وَيلاتِها
سَكبتْ لهيبَ الجَمْرِ فوقَ شُعوري
وأنا بقلبٍ مُؤمنٍ أمْضي إلى
أملٍ يُعيدُ بشاشتي وَحُبوري
بَلدي وَمهْما قلتُ عن أمجادِها
وَجمالِها سَيخونني تعْبيري
مَنْ يوصلُ الدَمعَ الغزيرَ ليرتوي
من مُقلَتيَّ الياسمينُ السُوري
آمنتُ باللهِ الذي لامَهْرَبٌ
أو مَلْجأٌ من حُكْمهِ المَقدورِ
سألَمْلِمُ النَجماتِ من أملي عَسى
يوماً يَعودُ لها بريقُ النُورِ
آهٍ على حلبٍ وكمْ ذكرى بها
بقيتْ كمثلِ اللؤلؤِ المنثورِ
وَطريقُ مدرستي بها وَرَفيقتي
نمْشي معاً في الشارعِ الممْطورِ
فمتى بقلعَتها ألوذُ وأتّكي
وأرى ابتهاجَ الشَمْسِ فوقَ الدُورِ
بلَدي وَمهما غبتُ عنْ أفنانها
تبقى أصُولي عندها وجُذوري
*****
لازلنا في محراب الوطن نرصد حالة الشاعرة النفسية إزاء التناقضات الهائلة التي يترع بها الواقع المرير من حولها، الأمر الذي يدفع أيّ إنسانٍ إلى الوقوع في فخاخ التشاؤم مكرهًا، نتيجة انسداد الأفق من حوله، فهي تحديدًا هذا العصفور المغرد “فوق الحطام” والذي يصلح لأن يكون الإنسان المعذب أيضًا، ورغم قمة الأسى والتشاؤم من الواقع الذي يبكي فيه العصفور بدل أن يغرد، لأن آدمية الإنسان أصبحت لا تعادل شيئًا بل لا تعني شيئًا، إلَّا أن الشاعرة ليلاس في هذه الأبيات بدأت عهدًا جديدًا وعقدت ميثاق هدنة مع الأحزان التى “تلوحُ في *** كلِّ الرؤى وَتسيلُ بينَ سطوري” ورغم ما بالدنيا من ويلات تسكب الجمر فوق المشاعر فقد أدركت ليلاس كنه المبدع الفنان، في إعادة تشكيل الواقع من جديد وأنه ليزداد تألقاً حتى وإن زجّ به في غياهب الحزن، أو تمت محاولة إطفاء صوته، بالمشاهد المروعة، وأن الشاعر ليخلد خلود الأبدية، وهذا ما يظهر من خلال تناول رموز دينية مثل “الإيمان والصبر” فبهما تمضي الشاعرة ” إلى *** أملٍ يُعيدُ بشاشتي وَحُبوري” ذاك عهد جديد من الأمل تبثه الشاعرة بعدما عقدت عرى الهدنة مع الأحزان وبعدما صورت القضية الإنسانية من الأمد البعيد تصويرًا بليغًا قوي اللفظ والمعنى، بما يوضح لنا نفسية الشاعرة وتعمقها في صلب الحياة البشرية وواقعها المرير وما عانته من القسوة والضياع، كما أن هناك اتجاهًا ذاتيًا بالإضافة إلى الاتجاه الإنساني، إذ راحت الشاعرة تبحث عن الذات القلقة الحائرة المضطربة التي تخاف كل شيء، ما يفجر قضية وجدانية تمسّ صميم الإنسانية، وهي البحث عن الأمان في عالم فقد الأمان، بل والبحث عن الوطن المسلوب.
وحسبما نرى إن شعر ليلاس يعمق مفهوم الشعر على إنه فكرة وعاطفةٌ وموسيقى، فبغير الموسيقى لا يكون الشعرُ، ولولا الأذن ما كان الكلام، وما يتولّدُ من ارتباط المعاني، وما يندمج من ألوان الصّور، وما يتآلف من رنّات اللّفظ، ليس إلاّ هذا الكائن الفنّي المتناغم الذي نسمّيه شعْرا، وكيف لا يكون الشعر موسيقى وهي التي تجلو الإحساس، وترفع من مستوى العاطفة، وتجعل الفكرة تتسرّبُ إليك بين الكلمات، كما تتسرّبُ روح الشاعرة من خلال المسافات الصامتة المرتعشة التي تجيء بين النبرات والاهتزازات صعودا ونزولا في نصّ القصيدة.
إنَّ ليلاس زرزور كأحد شواعر المهجر عندما عصفت الغربة في خبايا روحها، وعشعشت فيها سكنًا وموطنًا، وجدت نفسها مضطرة للعيش في المنفى والتأقلم معه حتى تستطيع أن تحيا حياته، ولكنها بشكل عام لن يثنيها هذا التأقلم عن الأصل ولن يضعف صلتها بالوطن الأم وارتباطها به، ولن تصل إلى حد الانسجام والاندماج الكلي بوطن المنفى، ولن تنسيها الغربة آلام وطنها ومآسيه، فلا تزال صورة الوطن تشعل الحنين إلى الذكريات والصبا “والياسمين السوري”، التي تزف إليه الدمع ريَّا وذكريات الأصحاب والرفيقات، وإذا ما انفض الساهرون والأصحاب من مجالس الوطن، وخيّم ليل الغربة، فإنّ حنينا يتأجج عاصفًا ببقايا الروح، مقتلعًا، حاملًا لها إلى الوطن الأصل والمركز، وطن المنشأ والأصدقاء، وطن الأهل والطبيعة والجمال.
بينما يكون حضور الشاعرة فاعلًا على خريطة الأرض فهي تمثل لها الطبيعة، والقضية، والوطن، بل والحياة مجسدة بهاءها وجمالها، ترى فيها طبيعة الوطن، مشكلات أخيها الإنسان، بحيث يظهر جوانب البؤس والحرمان والقهر الذي يحياه الفرد الكادح في مقابل حفنة من أمان ولا يجدها.
وتتعمق دلالة اللوعة والتحسر التي تعانيها الشاعرة ليلاس، للحالة التي آل إليها وطنها من خلال استدعائه وتوظيفه لمفردات ترمز لذلك، مثل (دمع) أو (حزن) أو (جمر)، وكذا فإنَّ استعمال الشاعرة لأسلوب التحسر والوجع بمد صوتي (آه)، الذي يستعمل في حالات الألم الشديد، خيرُ دليل على أنَّها في ضيق ومعاناة شديدة وحزن دائم على وطنها، وفي بيتٍ مؤثر آخر تخاطب الشاعرة ليلاس وطنها، ” آهٍ على حلبٍ وكمْ ذكرى بها *** بقيتْ كمثلِ اللؤلؤِ المنثورِ” ذلك لتكشف عن مدى توترها وقلقها إزاء ما يتعرض له الوطن من احداث، فيبدو وكأن الشاعرة صدمت من التغير المفاجئ الذي ألم بوجه الوطن، حيث ليس ثمة شيء سوى الأهوال والموت والفاجعة، لكنها تلملم النجمات على أملٍ أن يعود لوطنها بريق النور، عهد جديد من البشرى والأمل والتفاؤل ” البريق – النور – المطر – ابتهاج الشمس” تلك مشاهد من الإشراق والخير بثتها الشاعرة في نهاية القصيدة عساها تبث في النفس البشائر والمبشرات بغدٍ أفضل تعلو فيه راية الوطن خفاقة مزهرة، فالوطن هو المأوى والحصن الحصين وهو الأصل والجذور مها غاب عنه الإنسان وهذا ما استشعرته ليلاس في غربتها عن وطنها فلازالت تحيا معه كل طقوسه ومراسيم طبيعته، ومشاهد الحياة فيه.
فلسطين بين الطوفان والشعر
يشكل وقوع أغلب المدن الفلسطينية تحت الاحتلال الاسرائيلي مذ عام 1948م وبعد عام 1967م واستمرار الغطرسة والاستفزاز، لأهل هذه المدن والشعب الفلسطيني، وطرد الأهالي، وقتل الأطفال والاعتداء على الشيوخ، ومنع المصلين من الوصول اليها، يشكل الخلية الحية في الشعر العربي، إذ باتت هاجسًا في مخيلة الشاعر، الذي يكتنز فكره وروحه بالأماكن التي لم يتمكن من الوصول إليها، لتصبح هنالك تفاعلية عميقة بين الشاعر والمكان، فجاءت نصوصه الشعرية مليئة بالدلالات المكانية، التي زادت النص الشعري قوة ومتانة ودبت فيه الحياة لما تحويه من مسميات لها ارتباطاتها الدينية، والقدسية والتاريخية، هذه المسميات تعزف على وتر حساس، نغمات تحمل الحزن والثورة والفرح معا.
تعدّ مدينة القدس الفلسطينية من أقدم وأشهر مدن العالم وأقدسها، فاسمها مشتقّ من القدسية، وهي الطهر والبركة والعظمة()
كما يعود تاريخها إلى نحو ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، وهي مهوى أفئدة البشر على أختلاف دياناتهم، فالمسلمون يقدّسونها لوجود عدة مساجد كمسجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى الذي كرّمه الله سبحانه من خلال ذكره في محكم التنزيل في قوله تعالى: ” سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا “()
أمّا المسيحيّون فيقدّسونها بسبب الكنائس الموجودة فيها، وأشهرها كنيسة القيامة التي تعدّ من أقدس الأماكن المسيحية في العالم، وقد بناها الإمبراطور قسطنطين وأمه هيلانة عام 336 للميلاد، وتقام فيها الصلوات في أوقات مختلفة من النهار، وفيها سكنٌ للكهنة ورجال الدين.
ومذ احتل اليهود المدينة عامي 1948م و1967م، عملت على تخريب المظاهر الإسلامية والمسيحية فيها، كما عملت على تغيير الوضع الديمغرافي ممّا أنتج وضعًا جديدًا يتمثّل في أغلبية يهودية ساحقة، وأقلية فلسطينية تسعى إلى تحدّي السلطات الصهيونية التي تتفنّن في ابتداع وسائل تهجيرها.
وقد تفاوتت نظرة الشعراء لمدينة القدس، وامتازت بالتنويع النسبي فمنهم من اقتصر على تصوير حبّه لها، ومنهم من رصد محاولات تهويدها، فيما صور بعض الشعراء النضال الوطني لأطفال هذه المدينة الباسلة، وتحدّثوا عن المستقبل، ومنهم من كان أكثر تفاؤلًا مستبشرًا فاستشرف النصر والتمكين.
لقد كان وعد بلفور المشؤوم في الثاني من تشرين الثاني لسنة 1917م، واستغلّت العصابات الصهيونية هذا الوعد، وعملت على تحقيقه في ظلِّ الاحتلال البريطاني الذي تكفَّل بإنشاء الوطن القومي لليهود وعمل على تضييق الخناق على العرب في المدينة المقدسة بوضع قوانين صارمة على البناء في القدس الشرقية، ثم عمل على تحويل المدينة إلى عاصمة للدولة اليهودية، وسعت الوكالات الصهيونية إلى قلب الميزان الديمغرافي في القدس لمصلحة اليهود، وهكذا إلى أن أصبحوا أغلبية في المدينة()؛
ولما انسحب البريطانيون من فلسطين كانوا قد هيَّؤوا لهم فرص الانتصار على العرب، فقامت العصابات الصهيونية بالمذابح الجماعية، ولا سيّما مذبحة دير ياسين التي كانت نقطة التحول، وقد قال عنها مناحيم بيجن: “لولا النصر الذي حقَّقناه في دير ياسين لما كانت هناك دولة إسرائيل”().
إنَّ مشكلة القدس مختلفة عن مشكلة أيّ مدينة أخرى في العالم، وهي معقَّدة الخيوط، فعلى الرغم من صغرها نسبيّاً بين المدن الكبيرة في العالم غير أنها تعجُّ بالأماكن المقدّسة عند أصحاب الديانات الثلاث، ولهذه الأماكن ذاكرة تاريخية تزيدها قداسة، ككنيسة القيامة والمسجد الأقصى وسواهما ().
وجدير بالذكر أن احتفاء الشعراء بهذه المدينة وقضيَّتها ربَّما لا نجده في مكان آخر، ويرجع هذا إلى أنَّ إيمان الشعراء حتى شعراء المهجر بانتصار العرب على هذه المحنة الجديدة القديمة لا يقبل أيَّ نوع من التشكيك أو التأجيل أو الحوار، ولذلك شارك الشعراء هناك مشاركة فعَّالة على الرغم من إمكاناتهم المتواضعة في سبيل هذا الانتصار، ومن هؤلاء الشاعر إيليا أبي ماضي الذي يردّ بقوة على الادعاءات الصهيونية الكاذبة، وكذلك الشاعر القروي الذي قال عنه البدوي الملثَّم (يعقوب العودات): “ولو أُتيح لي أن أؤرّخ القضية الفلسطينية جملةً وتفصيلاً لسجّلت اسم (الشاعر القروي) في سورة البسملة، ولنحتُّ له تمثالاً حفرت عليه: هذا رجل عمل لفلسطين ما لم تعمله الآلاف والملايين”().
ولأنّ مدن فلسطين كانت ولا زالت تشغل هذا الشأن الخطير فقد كانت محور اهتمام الأدباء العرب في العصر الحديث، إذْ راح هؤلاء يكتبون عن هذه المدن، كلٌّ وفق رؤيته وموقفه وموقعه الإبداعي وبما تسنح به قريحتهم وتجربتهم الأدبية وقد احتفى الشعر العربي المعاصر بهذه المدن في الآونة الأخيرة نظرًا لسلسة الإعتداءات الصهيونية عليها والتي كان آخرها الاعتداءات على مدينة عزة بعد عملية طوفان الأقصى في مطلع أكتوبر 2023م.
وغنيّ عن القول إنّ وحدة الموضوع عن القضية الفلسطينية لا تجسّد بالضرورة تشابه النصوص، لأنّ كل شاعر له رؤيته وأداته اللتان تميّزانه عن غيره، فكانت القدس وعزة عند ليلاس زرزور رمز الإيمان والصبر وشمس النصر في قصيدة “يا قدس صبرًا”
****
غَـداً نرى الظُلْمَ مهما طالَ مُندَحِرا
والنارُ تَخْمَدُ مهما جَمْرُها استَعَرا
يا أهلَ غزّةَ شمْسُ النصْرِ قادمةٌ
لتَغْمُرَ الأرضَ والأزهارَ والشَجَرا
حارتْ قوى الشَرِّ في إيمانِكمْ فَبكُمْ
مادَمَّروا العزمَ لمّا دَمَّروا الحجَرا
ياقُدْسُ صَبراً فإنَّ النصْرَ يَرْسُمهُ
أبطالُ غَزّةَ والعُقبى لمنْ صَبَرا
فمنْ صمودكِ في الأهوالِ إذْ عَصَفَتْ
كلُّ الشُعوبِ غدتْ تَستخلِصُ العِبَرا
ماهَبَّ شَعْبٌ إلى تَحريرِ مَوطِنِـهِ
إلاّ بإيمانهِ قد فازَ وَانتَصَرا
أزهَقْتُمُ الباطلَ المَمْقوتَ فانكَشَفَتْ
عنـهُ الأكاذيبُ لمّا الحَقُّ قد ظَهَرا
يا زارعينَ زهُورَ النصْرِ قد عَبِقَتْ
وَعِطْرُها فاحَ في الأرواحِ وانتَشَرا
ياربُّ نصْرَكَ في تَحْريرِ قبلَتِنا
بحَقِّ نورِكَ لاتتركْ لهمْ أثَرا
****
وقد ألقت هذه القصيدة قيثارة الإذاعة المصرية “جيهان الريدي” على موجات إذاعة البرنامج العام “قطرات الندى” هذا ونلحظ من خلال الأبيات السابقة بشائر النصر في إشراقة شمس تطمس الظلم بالإيمان والصبر والدعاء، لقد صاغت ليلاس زرزور المكان في فلسطين صياغة معاصرة، وفق رؤية جديدة، تنقل المكان من نطاقه الجغرافي المجرد، وصورته الجامدة، إلى صورة حية، تتصل بالروح والوجدان والحياة، فالشاعرة تخاطب القدس ” ياقُدْسُ صَبراً فإنَّ النصْرَ يَرْسُمهُ *** أبطالُ غَزّةَ والعُقبى لمنْ صَبَرا” تحاكي المدينة على أنها كائن حي وتصبرها بصمود الأبطال في غزة، ومن هذا الصمود كل الشعوب نهل وتستخلص العبرا كمان تقرر الشاعرة حقيقة مهمة وهي أنَّ إيمان الشعوب بالحريات هو مفتاح الفوز والنصر، ثم تأرجح الشاعرة مشاعر الأمة العربية بين ابتهالات لتحرير المدن المحتلة فتتحرك من “القدس” إلى “غزة” ثم تعود “للمسجد الأقصي” والمنوه عنه في الأبيات بـ “قبلتنا” وهي بذلك توقظ الضمائر وترسخ المفاهيم أن القضية ليست قضية أرضٍ فحسب، وإنما أيضًا هي قضية مقدس ديني قومي فلا بدَّ أن تجمع له الأمة، وأن تشحذ لأجله الهمة.
ولأن القدس بما فيها من مقدسات وما لها من مكانة عريقة في قلب الشاعرة ليلاس زرزور فقد شكلت في وجدانها مرجعيات دينية وتاريخية عبرت عنها في قصيدة “القدسُ تنتظرُ البُشرى”
****
صالوا على الظُلْمِ إعصاراً وَطُوفانا
فالشمسُ قد أشرقَتْ وَالوعْـدُ قد حانا
حطّينُ عادتْ وَأعداء السماءِ رأتْ
مِنهُمْ كمثلِ صَلاحِ الدينِ فُرسانا
والقُدسُ تنتَظرُ البُشرى وما فتِئَتْ
تَزدادُ عَزماً وإصراراً وإيمانا
يا أُمّـةَ العُرْبِ قد آنَ الأوانُ لَها
بأنْ نَسيرَ زُرافاتٍ وَوِحْدانا
فكُلُّ زَيتونةٍ فيها تُطالِعُنا
نَرى بأغصانها سَيفاً وقُرآنا
أرض البُطولاتِ مازالتْ مَرابعنا
فلنكْسرِ اليومَ للأسيافِ أجْفانا
نسْتلهِمُ النصْرَ من تاريخِ عِزَّتِنا
وَنجعَلُ الأرضَ تحتَ البَغْيِ نَيرانا
فَعنْ مُناصرَةِ الأحرارِ في دَمِنا
إنّي أرى العَجْزَ خُذلاناً وكُفْرانا
اللهُ أكبرُ شمسُ النَصرِ قد طَلَعَتْ
فامضوا إلى نورِها شِيباً وشُبّانا
كلّ العُروبةِ يا أبطالَنا َمَعَكمْ
فالقُدسُ قبلَتُنا والعَزمُ ماهانا
مازالَ صرْحُ الهُدى فينا نُعَمِّرُهُ
حتّى وإنْ دَمَّروا دُوراً وبُنيانا
ياغَزّةَ الفَخْرِ صبرُ العالَمينَ ذَوى
وَصَبرُكِ اليومَ مثل الصَخْرِ مالانا
ماذا تَقولُ القوافي يا أُباةَ لَكمْ
والشِعْرُ باتَ على الأفواهِ خَجْلانا
المَجدُ للشُهداءِ الصِيدِ من دَمِهِمْ
ستُنبِتُ الأرضُ أزهاراً ورَيحانا
ياقدسُ صَبراً فَوَعْدُ اللهِ يُنجزُهُ
وَقد أتَتكِ جُنودُ اللهِ أعْوانا
****
تفاضل الشاعرة بين عملية طوفان الأقصى وبين المعارك التاريخية التي نقشت على مجد الحضارات تاريخ الأبطال فلم تكتفِ الشاعرة ليلاس زرزور بذكر حطين أو “صلاح الدين” دلالة للتاريخ، وإنما رسمت مشهدًا مسرحيًّا كاملًا، يتجلى فيه القاتل والمقتول، والوعد والوعيد ويكون الشاهد مبصرًا بعينيه وإن كان في حقيقة الأمر غير قادر على نصرة المظلوم، وهي تحدث العالم مخاطبة الضمير ربما تكون الحياة لمن تنادي، وفي هذا المشهد القصير، نستخلص الدلالات التي تجذب الأنظار وتشد الأسماع فالقدس ” تنتَظرُ البُشرى وما فتِئَتْ *** تَزدادُ عَزماً وإصراراً وإيمانا” فما بالنا نحن العرب؟!!!، وهو ما أجابة عليه الشاعرة: “يا أُمّـةَ العُرْبِ قد آنَ الأوانُ لَها *** بأنْ نَسيرَ زُرافاتٍ وَوِحْدانا” وهنا توظيف دلالي لقوة النداء، نداء مجلجل إلى أمة العرب في شتى البقاع، نداء يسمعه القاصي والداني، لأن دلالة النداء تنحى منحىً دلاليًّا جديدًا يحمل الصوت والحركة معًا إلى وجدان كل حرٍّ غيورٍ في هذه الأمة.
ومضت الشاعرة في القصيدة تحث الأمة على الجهاد لأنها عايشة المآسي والنكبات التي حّلت بفلسطين وأهلها وآمنت بحتمية الاستنفار لهمة أبناء الأمة فجاءت القصيدة نارية منبرية تثير العواطف، وتقوي العزائم، وتشحن القلوب، حاملة خطابًا حيًّا يمزج الحاضر بالماضي، صراخ أهل القدس اليوم وأنين المسجد القصى، بروح صلاح الدين الذي قهر الأعداء وزلزل أركانهم، فجاءوا أذلة صاغرين يطلبون العفو والصفح ()
وقد كررت الشاعرة النداء ” يا أُمّـةَ العُرْبِ – ياغَزّةَ الفَخْرِ – ياقدسُ صَبراً” لن الأمة بحاجة له، بحاجة إلى من يوقظها ويوقظ في أبنائها البطل المغوار الذي يوحد الجيوش ويرص الصفوف، ويؤم الناس بالعدل والمساواة، فتنطلق التكبيرة من قلب اللشاعرة مدوية خفاقة مبشرة بالنصر: “اللهُ أكبرُ شمسُ النَصرِ قد طَلَعَتْ *** فامضوا إلى نورِها شِيباً وشُبّانا” هذا التكبير يسمع شرق البلاد وغربها، فيباركها الله ويحفظها، حينها يأتي النصر والتمكين. غير أن “ليلاس” في قصيدتها تستحضر شخص صلاح الدين قادمًا إلى بيت المقدس بجيشه الجرار، يزأر كالأسد ملبيًا نداء الأقصى السليب، والثكالى الركع، والطفال الرضع، نداء الأرامل والأيتام، فهل لنا أنْ نلبي النداء مثله.
إنَّ التجلي التاريخي يتضح في أبيات القصيدة السابقة حيث حمّلت الشاعرة ليلاس زرزور قصايدتها المجدولة بالخيوط التاريخية والدينية، بحمولات رمزية لها دلالات في ضمير الأمة بما حوت هذه الرموز من أسماء لأشخاص لهم بُعد تاريخي، تمثل في البطولات التاريخية والأبطال الفاتحين، الذين شيدوا النصر للأمة، وأعادوا لها كرامتها، ورفعوا لها سؤددها، غير أن السماء المرتبطة بالقدس قد تركزت عند الشاعرة في شخص “صلاح الدين الأيوبي” وارتباطه في النص يوحي بانفتاح كبير، حيث اكتناز النص على تلك الرموز يضيف له أفق واسع ومدارك حسية مترامية تشكل الثأر والتجهيزات المتداخلة، لمعركة حتمية، ووعد صادق بالنصر.
وقد كانت الأحداث الأخيرة لطوفان الأقصى وما تبعه من دمار وموت وخراب للمدن الفلسطينية وخاصة مدينة غزة كل هذا دفع الشاعرة السورية “ليلاس زرزور” إلى دعوة الشعراء لكتابة ملحمة شعرية تحت عنوان “الحلم العربي”() وهو قصيدة عمودية مشتركة والذي اشترك فيها أكثر من مائة وستة وستون شاعرًا من كبار شعراء الوطن العربي يرسمون حلمًا وينشدون أملًا في الوحدة العربية، وقد كان شرف المشاركة في هذه الملحمة الشعرية التى ترسم مرحلة معاصرة من مراحل قضية فلسطين، وتربط واقع القضية اليوم بتاريخها الغابر، ثم تربط الماضي والحاضر والمستقبل، بدين وعقيدة ووحدة عربية، وكلمة حق قادرة على التواجد والحضور الفعلي على أرض الواقع.
إنَّ المسجد الأقصى كما ذكر “بسام جرار” في سلسلة الدراسات القرآنية هو: “اسم لجميع المسجد مما دار عليه السور، من قّبة الصخرة المشرفة والساحات والاروقة، التي تصل إلى 144 دونما”()، أي أنَّ المقصود بالمسجد الأقصى، أو البيت لمقدس، هو المسجد الظاهر للعيان الآن، ومسجد قبة الصخرة المشرفة، وما بينهما وحولهما من ساحات مباركة.
إننا نرى أنَّ وجود المسجد الأقصى وبيت المقدس “القدس” تحت وطئة الاحتلال الاسرائيلي، شكل في جسد النصوص الشعرية لدى الشاعرة ليلاس زرزور علامة واضحة القسمات، مما جعل نصوصها تحظى بمكانة رفيعة وأهمية كبيرة، وقد كان للأماكن المقدسة وهج خاص في قلوب الشعراء وبخاصة قلب الشاعرة ليلاس المولع بالاهتمام بالقضايا القومية والوطنية وعلى رأس تلك القضايا قضية فلسطين والذي نلمحه في كم القصائد التي كتبتها عن القدس والأقصى وعزة، وفلسطين، فهي دائمة التفكير فيما يحدث للأقصى، من فقدان للحرية وتدنيس واستباحة لكل المحارم، إن هذا الإحساس الملازم لخلد الشاعرة التي ترى في احتلال المسجد الأقصى احتلالًا لكل فلسطين، بل بكل إنسان حر، لأن المسجد الأقصى شريان القلب النابض في فلسطين، والجرح النازف في قلب كل عربي غيور.
وقد شكلت دلالة “الأقصى” في شعر ليلاس زرزور حياة النص الشعري، فبات هناك علاقة تفاعلية، وتمازج مكاني وروحي بين المسجد الأقصى وفلسطين من جهة، وبين القضية في وجدان الشاعرة من جهة أخرى، وهذه الفاعلية جعلت الشاعرة تعبر عن حنينها وحبها العميق لفلسطين وربطها دائما بربا المسجد الأقصى والمقدس الديني واستشراف النصر على الدوام في جميع القصائد بالرجوع إلى الله والدعاء وشحذ الهمم والاستنفار السواعد.
الوازع الديني في الخطاب الشعري
إنَّ تناول الخطاب الشعري يُحتّم الوقوف عند قضية المعنى؛ ذلك أن الخطاب لا يمكن له أن يحقق وظيفته التواصلية إلا من خلال اصطحاب علاماته لمعنى ما، والمعنى هو ما يفهم من الدالّ اللغوي، فقد يكون مباشرًا يتعلق بما يشير إليه الدالّ من مسميات مادية خارجية() التي يأتي الإخبار عنها لدى المتلقي سواء أكانت حاضرة هذه المسميات الخارجية، وعندها تتراجع وظيفة التواصل اللغوي، لأن الشيء المعيّن أو المسمى يشارك طرفي التواصل (المرسل والمتلقي) لحظة التواصل؛ لأنه يتعين نظريًا ويتبدى بالحالة التي هو عليها؛ وبذلك يعلن عن نفسه مباشرة. أما إذا غاب الشيء المعيّن وحلّت العلامة محله، هنا تسترد اللغة وظيفتها المركزية بوصفها تخبر عن مسمى غائب يحتفظ طرفا التواصل بصورته الذهنية().
إن المعاني التي تنتجها العقائد والثقافات ومبادرات العقل البشري من خلال التفكير في حالات مرئية أو غير مرئية (ظواهر) تعكس حالتين من حالات النظر إلى الخطاب: فالحالة الأولى تتعلق بمطلب تطور العقل البشري، وبمبدأ مساءلة الوجود مما يقود العقل البشري إلى إنتاج مفاهيم حول هذا الوجود؛
أما الحالة الأخرى، فتتعلق بتحسين أداء دوالّ الخطاب فيما يتعلق بالعلاقة المضبوطة والمحدّدة بين المفاهيم والمصطلحات، الأمر الذي ساهم في إنتاج دوالّ أكثر إبلاغًا عن مفاهيمها، ولهذا الإغناء أثره في ضبط دوالّ الخطاب عند رغبة التواصل حول قضية من القضايا، وهو ما سينعكس على الأداء العقلي نفسه الذي سيتحرر من مأزق الشراكة اللفظية ليجد أمامه تحديدًا وضبطًا بين المعاني والخطاب.
وفيما يتعلق بمقولات العقيدة الإسلامية من جهة الممارسات والسلوكيات التي تدفع باتجاهها، وهو بعد سلوكي عملي يرتبط أساسًا بموجبات العقيدة الإسلامية بوصفها تصورًا شموليًا تتكامل فيه العقيدة بمحدداتها اليومية والحياتية للأفراد، كل هذه المفاهيم وغيرها تدور في إطار مساحة المعنى الديني، ذلك أنها تصدر عن مرجع له صفاته الجوهرية وملامحه التي يستقل بها، مما يرتب على ذلك خطابًا يتحرك في هذه الاتجاهات المختلفة للمعنى الديني.
وعندما يكون الخطاب علامات لغوية تُستَثمر بغرض التخاطب حول المعاني الدينية، فإن هذا الخطاب سيتشكل وفق ضرورات إيصال المعنى والحقيقة الدينية دون أن يحفل كثيرًا بالتوقف عند ملامح هذا الخطاب التكوينية في بعدها الخاص (الجمالي) فسيراهن الخطاب على مطلب إيصال المعنى والتحرك حوله، بمعنى أن الخطاب في بنيته سيحتفظ ببعد وظيفي بصورة عالية؛ ذلك أن الخطاب اللغوي في هذه الحالة سيتحول إلى واسطة يستثمرها المتحاورون في إطار الحرص على تزويد المتلقي بمقولات العقيدة الإسلامية في بعديها الإيماني أو السلوكي. وهذا النوع من الخطابات لا يفارق كثيرًا الخطاب العلمي الذي يوصف بأن المتكلم فيه يبتعد عن استحضار خصوصيته الفردية وهو يستعمل هذا الخطاب()، ووفق هذا التصور نميل إلى تثبيت صفة الموضوعية في الخطاب الديني الاعتيادي الذي يتعامل مع التلاقي العقلاني بين منتجيه في إطار الحوار حول المعنى، أو في إطار إعادة إنتاج هذا المعنى الديني عندما يستهدف الخطاب المتلقي بغرض إعلامه بمعنى من المعاني الدينية.
إنَّ النقاش حول طبيعة الأدب والفن عمومًا، يحتفظ بصفته التأملية الإنسانية، ونقصد هنا موضوع الجمال الذي يستوعب مفهوم الأدب، ويعد موضوع الجمال من الموضوعات الحيوية التي فعّلت التفكير الفلسفي البشري، ودفعت إلى إنتاج كثير من المساهمات الفلسفية التي حاولت الاقتراب من مفهوم الجمال صادرة في ذلك عن خلفيات مختلفة أثرّت في توجيه النظر إلى هذا المفهوم، فمنذ الإغريق احتفظ مفهوم الجمال ببعده العلوي الميتافيزيقي الذي لم يمتلك صورة نهائية ومغلقة، وإنما ظل مستوى متباعدًا ترنو إليه العقول لتقترب بالأشياء مما يمكن أن يجاور هذا المستوى، وقد اقترب هذا المطلق في التفكير المثالي من قيمتي الحق والخير()، فمنذ أفلاطون ارتبط الجميل بعلاقته بالحق والخير؛
فعنده أن الجميل هو الخير، والخير في هذا الرأي كامل الجميل هو مصدره ومبدؤه، كما هو مصدر كل شيء ومبدؤه، فالواحد المطلق خير قبل كل شيء وهو جميل لأنه خير فالخير هو المبدأ الأول الذي يصدر عنه الجمال ().
وعلى المستوى اللغويّ، فإننا نجد اللغة المُستخدمَة واضحة وسهلة وليّنة، بعيدة عن الغرابة والغموض والرموز المُبهَمة، وتستند إلى أبعاد تاريخيّة دينية، فهي لغة أع الدلالية في الدين والسياسة والاجتماع والتاريخ والطبيعة والتصوف والأدب والذات والموضوع ().
وفي التفكير الإسلامي ارتبطت هذه القيم: الجمال الحق الخير بصفات الله تعالى، وهي صفات مطلقة لا يتأتى للإنسان تخمين منتهاها وحدّها بل يستعين بالبصيرة على تخيل أنها استثنائية في وقعها على الخيال والنفس دون أن تحتكم هذه البصيرة إلى شيء إلا الانسياق وراء الرغبة في الاستمتاع والإعجاب بهذا المطلق في جماله؛ وبذا يصبح الجمال الإلهي المرتبط بقيمة الخير محركًا للإبداع، ودافعًا للمبدعين، في إطار حالة الجذب هذه تجاه هذا المطلق، إلى المواءمة بين هاتين القيمتين وإنتاج نص يحاول إشراك تصوره النسبي عن الجمال والخير تحت تأثير الوعي الكامن بمطلق الجمال الذي هو صفة الله سبحانه وتعالى في العقيدة الإسلامية.
إن المتأمل لواقع الشعر العربي المعاصر يراه يعكس اتجاهات فكرية مختلفة فبعضها يعكس وجهة دينية، والبعض الآخر يعكس الوجهة القومية أو حداثية وغيرها من اتجاهات الفكر المعاصر بيد أنه هذه الرايات والأوجه المتعددة لا تلبث أن تتهاوى ذليلة مهما عظم أمرها وقوي عودها واتسع نفوذها إذا كانت لا ترتبط بالله ربًا ولا بالدين والمعتقدات والمثل، ولأنها تفتقد إلى الشمول والتناسق والانسجام والتوازن في رؤيتها لحقائق الوجود الكبرى التي يتعلق بها الإنسان.
وفي إطار هذا المضمون الذي يحمل الوازع الديني في الخطاب الشعري تحتفي الشاعرة ليلاس بمناسبات دينية عديدة في مسيرتها الإبداعية فقد كانت ولاتزال حاضرة في كل المناسبات فهذه قصيدة ترصد فيها الشاعرة طقوس الحج الأكبر تحت عنوان “شوقٌ لمَكّـةَ” والتي تقول فيها:
سارَ الحَجيجُ وَغابَ صَوتُ الحادي
وتَقَطَّعَتْ وجْداً نياطُ فُؤادي
وَبقيتُ في شَوقٍ لمَكّـةَ لمْ يزلْ
يُجْري الدُمُوعَ وَيستثيرُ سُهادي
والآن هُمْ مابينَ مَرْوةَ والصَفا
يسْعَونَ بينَ جَلالِ ذاك الوادي
لبسوا الثيابَ البيضَ مثلَ قُلوبهمْ
وكأنّهمْ في لحظَةِ الميلادِ
مَوجٌ من النوّارِ يهْتفُ هادراً
لبيكَ ياربَّ السَماءِ الهادي
واللهُ أكْبـرُ لاشريكَ لهُ بها
كلُّ القُلوبِ من الخُشُوعِ تُنادي
رفَعوا الأكُفَّ معَ الدعاءِ لرَحْمةٍ
يَرْجونها بضَراعَةِ العُبّادِ
وإلى ذُرى عَرفاتَ شَوقاً قد مَضوا
وتأزّروا بمَلابسِ الزُهّادِ
حتّى إذا نحَروا الذَبائحَ وَابتدا
للناس فيها أجمَلُ الأعيادِ
طافوا الإفاضةَ مَوجةً في مَوجَةٍ
مثل الغُيومِ روائحٌ وغَوادي
******
للمكان المقدس دلالات كثيرة عند الشاعرة ليلاس زرزور، وتتضح رؤية المكان المقدس بأنه “هو المكان المبارك أو المطهر”() فكانت أبرز القضايا عند الشاعرة هي الاحتفـاء بالمكان، والانتماء له فهي المرتبطة بالمكان بطوابعه وبمفرداتـه، الملخـصة لتراثـه الديني حيث جاءت الأبيات السالفة تشع مشكاتها بفيوضات الأمكنة، وعبقها الديني، هذه الأمكنـة التـي تمثـل رموزًا دينية مقدسة كمكة المكرمة، والمدينة المنورة، والقدس، هذه الأمكنة المقدسة بجلالها وهيبتها، تضفي بظلالها الروحية على خطاباتها الشعرية المنوعة، كما تجعلها تلعب بعداً رمزياً ودلالياً، كما يتضح في قصيدتها “شوقٌ لمَكّـةَ” التي بين أيدينا.
وتكمن قداسة مكة المكرمة بالمقدسات التي بها، مثل (الكعبة المشرفة، ماء زمزم، الحجـر الأسـود…) والمكان دون شك أحد أهم مكونـات الانتماء وعناصر الهوية في وجدان الشاعرة فلا بد أن يأتي هاجسها المتـيم بالمكان على غرار المقدس الديني، ولا بد أن تتغنى بالهوية وتحرص على إبراز مفرداتها وإيضاح معالمهـا، وبيان قداستها وطقوس العبادات والفرائض بها بما اختصت به عن سائر الأماكن.
إنها مهوى الأفئدة، ارتبطوا بها ارتباط المؤمن بـشعائره المقدسـة، فكانـت المكان الذي انبثق منه النور، وامتدت إشعاعاته لتؤطر عصرنا، فيعم الأمن والأمان، فَفَاضت قرائح الشعراء لهذه الأرض المباركة، التي شهدت جهـاد ونـضال سـيدنا محمد –صلى االله عليه وسلم،- فهي ترمز عند الشعراء إلى الطهر؛ لأنهـا مهـبط الوحي، وقبلة المسلمين، وميراث النبوة، وشعاع الصحوة، فقد اختار المولى جل وعلا مسجده على الأرض، واختصه بالبركة، فكان ذلك المكان العلامة أو الرمز علـى البقعـة المباركة المعبر عنها، باختيار االله –سبحانه وتعالى،- وإليه يجيب النـاس منـادي الحج، وهو أول بيت وضع للناس فيه الهدى والبركة ()
وهذه المكانة الدينية التي احتلتها مكة المكرمة؛ لأن االله اختارها ليجعل فيهـا بيته الحرام، واصطفى من شعاعها ورباها نبي الأمة وقد هام الشعراء بهذه الأماكن المقدسة، وكـانوا أشـد التـصاقاً بها، فأكثروا الحديث عنها، وهاموا بالكعبة الطاهرة، ومسجد الرسول الشريف -صلى االله عليه وسلم- ()
وقد أدركت الشاعرة ليلاس زرزور في مسيرتها الأدبية إنَّ الأدب الذي يقوم على أساس القاعدة الدينية هو الأدب الخالد الذي يبقى لارتباطه بهذه القاعدة الربانية الباقية المحفوفة بعناية الله وحفظه، ونظرًا لهذا الارتباط الوثيق بهذه القاعدة، فإن الأدب المنبثق منها أدب معطاء مثمر للحياة الإنسانية، إذ يبذر منها معاني الخير والفضيلة ويقتلع منها جذور الشر والرذيلة، ليجليها بقيمها السمحة، تلك القيم التي تدفع الإنسان للخير ومحاسبة النفس ليرقى بروحه في عليين.
****
سُبحانكَ اللهُمَّ مالَكَ في السَما
والأرضِ من شَبَهٍ ولا أندادِ
رُوحي لبيتِكَ تعْتريها لَهْفَـةٌ
وَلماءِ زمْزَمَ لي فُؤادٌ صادِ
فانعِمْ عليَّ بزَورَةٍ فلَعَلّها
تُمْحي ذُنوبي قبلَ يَومِ مَعادي
وَارزقْ فُؤادي مايُريدُ وَيرتجي
ياربُّ حَجُّ البيتِ كُلُّ مُرادي
ولقَبرِ طَـهَ المُصْطفى لي لهْفَةٌ
في الرُوحِ تَحْرمُني لذيذَ رُقادي
هُو سيّدُ الثقلينِ وَالنورُ الذي
ملأَ الوُجُودَ على مَدى الآبادِ
صلّى عليكَ اللهُ ماطَيرٌ شَدا
عندَ الصَباحِ بغُصْنهِ المَيّادِ
****
هذه الأبيات تعبر عن مشاعر عميقة من الشوق والحنين إلى بيت الله الحرام وزيارة قبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث تستمر الشاعرة ليلاس زرزور في رحلتها المقدسة التي بدأتها فتصف الله سبحانه وتعالى بأنه لا مثيل له في السماء والأرض، وتعبر عن لهفتها لزيارة البيت الحرام وشرب ماء زمزم، آملةً أن تُمحى ذنوبها قبل يوم القيامة.
كما تطلب من الله أن يرزقها حج البيت الحرام، وتعبر عن شوقها لزيارة قبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي تأكد على حقيقة مهمة وهي أنَّ الرسول الكريم سيد الثقلين والنور الذي ملأ الوجود. الأبيات تنتهي بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مما يعكس حب الشاعرة العميق للنبي الكريم.
هذه الأبيات المعبرة التي كتبتها الشاعرة ليلاس زرزور تظهر مدى تعلق الشاعرة بالمقدس الديني ورغبتها في التقرب إلى الله وزيارة الأماكن المقدسة، كما تعبر الأبيات أيضا عن عمق الشوق والحنين إلى بيت الله الحرام وزيارة الأماكن المقدسة، فالشاعرة تستخدم لغة شعرية قوية ومؤثرة لتوصيل مشاعرها الدينية العميقة، مما يجعل القارئ يشعر بنفس الشوق والحنين.
و في إطار توظيف الملكة الإبداعية لإظهار القيم الدينية تأكد الشاعرة ليلاس على عدة مفاهيم مهمة ومعانٍ عميقة من خلال الأبيات السابقة ومنها:
1. التوحيد والتنزيه: حيث تبدأ الأبيات بتمجيد الله وتنزيهه عن أي شبيه أو ند، مما يعزز مفهوم التوحيد في الإسلام.
2. الشوق إلى الأماكن المقدسة: تعبر الشاعرة عن لهفتها لزيارة بيت الله الحرام وشرب ماء زمزم، مما يعكس أهمية هذه الأماكن في قلوب المسلمين.
3. الدعاء والتضرع: تطلب الشاعرة من الله أن يرزقها زيارة البيت الحرام وأن يمحو ذنوبها، مما يعكس أهمية الدعاء والتضرع إلى الله في حياة المسلم.
4. حب النبي محمد صلى الله عليه وسلم: تعبر الأبيات عن شوق الشاعرة لزيارة قبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتصفه بأنه سيد الثقلين والنور الذي ملأ الوجود، مما يعكس حبها العميق للنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم.
5. الصلاة على النبي: تنتهي الأبيات بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مما يعزز من قيمة الصلاة على النبي في الإسلام.
التأثير في المتلقي:
• الإلهام الروحي: الأبيات تلهم القارئ للتفكر في علاقته بالله وزيادة شوقه للأماكن المقدسة.
• التواصل العاطفي: اللغة الشعرية المستخدمة تخلق تواصلًا عاطفيًا قويًا مع القارئ، مما يجعله يشعر بنفس المشاعر التي تعبر عنها الشاعرة.
• تعزيز القيم الدينية: الأبيات تعزز من القيم الدينية مثل التوحيد، الدعاء، وحب النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
الأبيات تعتبر مثالًا رائعًا على كيفية استخدام الشعر كوسيلة إبداعية لإظهار القيم الدينية والتأثير في المتلقي بشكل عميق.
وفي إطار العقيدة نفسها يلتقي المنتسبون إليها والمؤمنون بها حول الإقرار بأن الله هو أصل كل ما هو جميل، ومصدر كل ما هو خير، وعندها يتحقق التناغم المرجعي في روح المبدع يقوده هذا التناغم إلى تضمين المعنى الديني في أعماله الإبداعية فيصدر بهذه المرجعيات المطلقات غير المتناهية، والمحفّزة في نفس الوقت للتغني الأدبي بها، وتنشيط المخيلة الإبداعية في اتجاه محاولة الاقتراب منها لبيان انعكاسها على النفس الإنسانية، والأمر نفسه يطال المتلقي لهذا الخطاب الأدبي ذلك أن وعي المتلقي يتحرك في نفس الإطار المرجعي الديني كما تثير مدركاته هذه القيم المطلقة التي تعظم صفات الله سبحانه وتعالى، وربما هذا المعنى الذي يفهمه المتلقي عندما ينظر إلى جمال الشيء ولا يتوقف على طبيعته، وإنما يتأمل في جوهره، أما الجمال عمومًا في إطار مجال التصورات الفلسفية والعقلانية، فإنه قد لا يشتمل على ما تحمله العقائد والمرجعيات الدينية فحسب من رؤية لهذا الجمال، ومع ذلك ما يهمنا إن الجمال يرتبط أساسًا بحرية الإدراك والتخيل، والمرجعيات التي تنعكس على الخطاب الإبداعي بشكلٍ عام وعلى الشعر خاصة.
فالذي يثير الانتباه هنا هو فكرة استدعاء الإدراك والتخيل بوصفهما آلتين من خلالهما يمكن الإحساس بالجمال، وامتلاك تصورات عن طبيعته.
وتأسيسًا على هذا الكلام فقد عبرت الشاعرة ليلاس زرزور عن مفهوم الجمال المطلق في العقيدة والمرجعيات الدينية، ومحاولات الإدراك البشري الاقتراب من تجليات هذا الجمال والذي أتاح للشاعرة من إدرج نفسها وهي تتهيأ للعملية الإبداعية في إطار جمالية شمولية يقوم محورها الأول على التعبير عن إحساسها تجاه الله تعالى بوصفه منتهى الجمال؛
أما المحور الآخر من محاور هذه الشمولية الجمالية فيرتبط بحرص الشاعرة ليلاس زرزور كمنشئة للخطاب الإبداعي على تسخير الأدوات البنائية لهذا الخطاب بما يمكنها من الوفاء باحتياجات التعبير عن الجمال الإلهي وقيم الخير التي تصدر عن هذه الحالة المطلقة فكما أن الجمال قد يكون في التعبير الناجح، فهو أيضًا مرتبط من جهة أخرى بهاجس الشاعرة، وفي هذا الإطار يقول الفيلسوف الإيطالي كروتشيه، فإن نجاح التعبير لكي يمتلك صفة الجمال مرهون بهاجس المبدع في الاقتراب نسبيًا من تحسس الجمال الإلهي، والترجمة في نفس الوقت عن الإحساس الباطني بإشعاعات ذلك الجمال عن النفس من خلال استثمار أدوات التعبير الجميل.
العاطفة والوجد
اصطلاح الأدباء على أن العاطفة هي تلك القوَّة التي يُثيرها الأديب / الشاعر فينا نحن القرَّاء، وهي بعيدة عن العواطف الشخصية، وهي العواطف التي تَحْملنا على الدأب وراء صالحنا الخاصِّ، كالجشع، أو الفرار من الميدان، أو الانتقام، أو المدْح رجاءَ النوال، فهذه ليست من الانفعالات الأدبية السامية، التي يحرص عليها النقد، لأنها تحيا في دائرة ضيِّقة، هي دائرة المنتفع، ثم تَحْمل النفْس على الأَثَرَة والهوان، وبعيدة كذلك عن العواطف الأليمة… وهي التي تُثير آلام القرَّاء، وتُشعرهم بما ينغِّص حياتهم، ويُكدِّر صَفْوَها: كالحسد والسخط واليأس، والظلم، ونحوها، لأن وظيفة الأدب الرفيع، يغلب عليها التهذيب النفسي، وإذاعة السرور، لا البؤس والتبرُّم ()، كما أنَّ التعبير عن العاطفة هي في الأساس تعبيرا عن ما يجيش في النفس من مشاعر وأحاسيس تجاه شخص معين أو موقف معين.
وقد عرَّفَها بعض الأدباء أيضًا على أنها: “مجموعة مِن الانفعالات، تتجمَّع حول معنى شيء من الأشياء”().
إذًا، فالشِعْر يُصوِّر عاطفة الشاعر، أو عاطفة مَن حوْله، ومشاعره وأحاسيسه، ومظاهر هذا الفنَّ كافية لتفجير ينابيع تلك العاطفة، أو استثارتها مِن مكامنها، فهي تستميل النفوسَ، وتجذب الأسماع، وتأسر القلوب.
وقد تنبَّه نقَّاد العرب إلى المُثير، أو الدافع الذي يدفع الأديب إلى الإنتاج الأدبي، وأَكْثَروا الحديث فيما يُطلق عليه الانفعال والعاطفة عند المحْدَثين ويُطلِقون عليه: عمل الشعر، وشحذ القريحة له، أي الأُسُس والينابيع التي يتفجَّر عنها الشعر، فالطبع لا يكفي لإنشاد الشعر، بل لا بد معه مِن المثير، الذي يحرِّك الشاعر، ويدفعه إلى الإنشاد()
كما أوضح النقَّاد القُدامى؛ أنَّ العاطفة هي عنصرًا له خطَرُه، في تكوين النص الأدبي، دون الاهتداء إلى اسمها هذا، فسمَّاها ابن قتيبة: دواعيَ؛ إذ يقول: وللشعر دواعٍ تحثُّ البطيء، وتَبعَث المتكلِّف، منها الطمع، ومنها الشوق، ومنها الشراب، ومنها الطرب، ومنها الغضب ()، وكلها معانٍ تشير إلى العاطفة ضمنيًّا.
إنَّ بواعث أو مثيرات، أو دوافع انطلاقِ عاطفةِ الشاعر، وتدفُّقها متوفِّرة لدية دائما ومصاحبة لمسيرته الإبداعية، منها الوهن أو الضعف، والاغتراب عن الوطن والأهل، وغدْر الأصحاب، أو ودهم، وموت الوفاء وهجْر الأحباب أو شوقهم، إلى غير ذلك مِن دواعٍ وأسباب كثيرة تثير عاطفة الشاعر للتعبير عن انفعالاته ومشاعره.
وفي هذا الإطار الوجداني العاطفي وبين بحر الرمل المغنى وعلى نمط الموشحات الأندلسية تقول الشاعرة ليلاس زرزرو في مطلع قصيدتها “ليلتي طالت”:
***
ليلَتي طالتْ على جَمْرِ النَوى
ليتَكَ الآنَ مَعي يامُـؤنسي
غابَ نَجـمُ الليلِ والقلبُ اكتَوى
فأضاءَتْ نارُ شَوقٍ مَجْلسي
ليلَةُ العيدِ يُحَلّيها اللِّقا
فَتعالَ اليومَ فيها نَسْهَرُ
وَسَيَغدو الليلُ فينا مُشْرِقا
فأنا الشَمسُ وأنتَ القَمَرُ
بينَ قَلبينا اشتياقٌ نَطَقا
وَدَعانا في الهَوى ننْصَهِرُ
نحنُ في الحُبِّ على حَـدٍّ سَوا
هالَةَ النُورِ كلانا نَكتَسي
ذابتِ الرُوحُ وَقلبي قد ذَوى
فأعِدْها ياحَياةَ الأنفُسِ
لكَ زَهْـرُ الرَوضِ غَنّى وانحنى
يامَلاكي ياحَياتي يا أنا
ليتَني ألقاكَ ياكُلَّ المُنى
ليزولَ الوَجْـدُ منّي وَالعَنا
لو خَيالٌ منكَ ياعُمري دَنا
يملأُ الرُوحَ سُروراً وَسَنا
***
نلحظ في الأبيات السابقة أنها تعبر عن عاطفة وجدانية عميقة، حيث يتجلى الشوق والحنين في كل بيت، حيث أنَّ الشاعرة ليلاس زرزور تستخدم بحر الرمل، الذي يتميز بإيقاعه الموسيقي الرقيق، لتعبر عن مشاعرها بأسلوب يتناغم مع نمط الموشحات الأندلسية، مما يضفي على الأبيات جوًّا من الرومانتيكية والأصالة في آن.
وفي هذه الأبيات أيضًا، نجد الشاعرة تتحدث عن ليلتها الطويلة التي قضتها على جمر البعاد، وعلى أثر الفراق، متمنيةً وجود محبوبها ليؤنسها وتسعد بالمعية واللقاء، فيما تصف الشاعرة كيف أن نجم الليل قد غاب، مما زاد من لوعتها، ولكن نار الشوق أضاءت مجلسها، مما يعكس عبقرية الشاعرة في استخدام التضاد وتوظيفه في النص فنلمح التناقض بين الظلام والنور، وبين الألم والأمل.
ثم تنتقل الشاعرة ليلاس زرزور إلى وصف ليلة العيد، التي يحلو فيها اللقاء، داعية محبوبها للسهر معها، حيث يصبح الليل مشرقًا بوجودهما معًا، في تشبيه جميل مشع بالضوء حيث اعتبرت الشاعر هي نفسها الشمس ومحبوبه القمر، مما يعكس التكامل والانسجام بينهما، كما يحيلنا إلى أنَّ وجود الشاعرة مع محبوبها في لقاء ضوئي سيجعل الكون مشرقًا ويضيء الحياة ليل نهار ويمدها بالدفء والنور معًا.
الأبيات تعبر عن اشتياق متبادل بين القلبين، حيث يدعوهما الحب للانصهار معًا، وتصف الشاعرة كيف أنَّ كلاهما يكتسي بهالة من النور، مما يعكس نقاء الحب وصفاءه، وفي نهاية المقطع السابق من الأبيات، تعبر الشاعرة عن ذوبان روحها وذبول قلبها، متمنية عودة محبوبها ليعيد له الحياة.
هذه الأبيات تجسد جمال الشعر العربي الكلاسيكي، وتبرز قدرة الشاعرة على التعبير عن مشاعرها بأسلوب موسيقي متناغم مع نمط الموشحات الأندلسية، مما يجعلها قطعة فنية رائعة تستحق التأمل والاستمتاع، والقراءة المتأنية لما حوت من جمال.
وبين الشاعرية والوجد وبصمة الروح نجد أن الأبيات التي قدمتها الشاعرة ليلاس زرزور تعكس شاعرية عالية ووجدًا عميقًا، حيث تتجلى بصمة الروح في كل كلمة وكل تعبير، الشاعرة تستخدم لغة غنية بالصور الشعرية والمشاعر الصادقة، مما يجعل القارئ يشعر بعمق العاطفة والحنين.
الشاعرية: تتجلى في استخدام الشاعرة للصور البلاغية والتشبيهات الجميلة، مثل تشبيه نفسها بالشمس ومحبوبها بالقمر، مما يعكس تكاملهما وانسجامهما. كما أن استخدام بحر الرمل يضفي على الأبيات إيقاعًا موسيقيًا رقيقًا يتناغم مع المشاعر المرهفة التي تعبر عنها.
الوجد: يظهر في كل بيت من الأبيات، حيث تعبر الشاعرة عن شوقها وحنينها لمحبوبها، فكانت أعظم الأماني هو وجود محبوبها بجانبها لتأنس به في ليلتها الطويلة، هذا الوجد يتجلى في وصفه لنار الشوق التي أضاءت مجلسها، وفي دعوتها لمحبوبه للسهر معها في ليلة العيد.
بصمة الروح: تتجلى في الصدق والعفوية التي تميزت بهما الأبيات، حيث تعبر الشاعرة عن مشاعرها بصدق وشفافية، مما يجعل القارئ يشعر وكأنه يعيش نفس التجربة، الروح تظهر في كل كلمة وكل تعبير، مثلما جاء في البيت “لكَ زَهْـرُ الرَوضِ غَنّى وانحنى *** يامَلاكي ياحَياتي يا أنا” فهذا ليس كلام يقرأ فحسب بل إنها روح تتحدث وتنثر عطر الزهر الذي غنى واتحنى إجلالًا للمحبوبها في الروض هذه البصمة الروحية تضفي على الأبيات عمقًا وجمالًا وتأثيرًا خاصًا.
أما عن الحس الأنثوي والمشاعر الإنسانية الرقيقة فنجد أنَّ الأبيات التي كتبتها الشاعرة ليلاس زرزور تعكس بوضوح الحس الأنثوي والمشاعر الإنسانية الرقيقة، ويمكننا أن نرى ذلك من خلال عدة جوانب:
الحس الأنثوي: يظهر في مستويات الرقة والحنان التي تميزت به الأبيات، فنرى الشاعرة تعبر عن مشاعرها بأسلوب ناعم ولطيف، مما يعكس طبيعة الأنثى في التعبير عن الحب والشوق، وكذا استخدام الصور البلاغية مثل “الشمس” و”القمر” يعكس رؤية أنثوية رومانسية للعلاقة بين الحبيبين.
المشاعر الإنسانية الرقيقة: تتجلى في الشوق والحنين الذي تعبر عنه الشاعرة، فنجد أنَّ الأبيات مليئة بالعاطفة الصادقة، حيث تعبر عن ليلتها الطويلة على جمر الفراق وتمنيها لوجود محبوبها ليؤنسها، وهذا يعكس مشاعر إنسانية عميقة يمكن لأي شخص أن يتعاطف معها.
الصدق والعفوية: الشاعرة تعبر عن مشاعرها بصدق وشفافية، مما يجعل القارئ يشعر بعمق العاطفة والحنين، هذا الصدق والعفوية يعكسان الروح الإنسانية في الأبيات، حيث يمكن للقارئ أن يشعر وكأنه يعيش نفس التجربة.
إنَّ الأبيات ليست مجرد كلمات، بل هي لوحة فنية تعبر عن مشاعر إنسانية عميقة، وتبرز قدرة الشاعرة على التعبير عن وجدانها بأسلوب فني راقٍ، مما يجعلها قطعة فنية رائعة تستحق التأمل والقراءة والاستمتاع.
تصعيد الحالة الشاعرية
تصعيد الحالة الشاعرية في الخطاب الشعري يتطلب استخدام مجموعة من الأدوات الأسلوبية والتقنيات البلاغية التي تعزز من تأثير النص على المتلقي ()، كما أنَّ تصعيد المعنى يؤكد مهارة الشاعر وقدرته على التعبير عن تمازج الرؤى والأفكار والأحاسيس ()، وفيما يلي بعض الطرق التي يمكن من خلالها تحقيق ذلك:
– الصور الشعرية: استخدام الصور البلاغية مثل الاستعارة والتشبيه يمكن أن يخلق تأثيرًا عاطفيًا قويًا ويعزز من جمالية النص.
– الإيقاع: استخدام الكلمات الموسيقية وتنوع القوافي يمكن أن يضيف موسيقى داخلية للنص، مما يزيد من تأثيره العاطفي.
– التكرار: استخدام التكرار بشكل مدروس يمكن أن يعزز من الرسالة الشعرية ويجعلها أكثر تأثيرًا لدى المتلقي.
– التناص: الاستفادة من النصوص الأدبية الأخرى أو الثراث الشعري القديم ليظهر في النص الشعري بعض ملامح هذه الثقافة يمكن أن يضيف عمقًا ومعاني إضافية وتأثيرًا قويًا للنص.
– التكثيف اللغوي: استخدام لغة مكثفة ومختصرة يمكن أن يخلق جمالًا وتأثيرًا ويجعل النص أكثر قوة وتفاعلًا مع المتلقي.
وفي إطار مشهدي للدراما المتنامية بين ذهاب الليل وانفلات الصبر وانطواء الطيف والفقد والبعد وخريف العمر الذي تيبس شاكيًا نجد الشاعرة ليلاس زرزور تستمر في تصعيد الحالة الشاعرية والدراما المشهدية في القصيدة السابقة “ليلتي طالت” وهي من القصائد ذات النفس الطويل والاسترسال العاطفي الشيق فتقول:
****
ذَهَبَ الليلُ كَصَبري وانطَوى
دُونَ طَيفٍ قادمٍ في الغَلَسِ
وَعلى فَقْدِكَ والبُعْـدِ انزَوى
غُصْنُ عُمْـري شاكياً من يَبَسِ
مالقَلبي كُلّما ناحَ الحَمامْ
أوقَدَ الشوقَ بمِحْراب الضُلوعْ
كيفَ بَدرُ الليلِ يَخْفيهِ الغَمامْ
عنْ عُيوني وَهْيَ غَرقى بالدُموعْ
يالَرُوحي من تَباريح السِقامْ
قد أُذيبَتْ في النَوى ذَوبَ الشُموعْ
قربيَ الماءُ وقَلبي ماارتوى
فَبَكتْ حالي عُيونُ النَرجسِ
كَمُريدِ الشَمسِ مانالَ سوى
في المَرايا من ضِيا مُنعَكِسِ
لكَ قلبي طارَ من بينِ الحَشا
حينَ جالَ الشوقُ بينَ الأضلُعِ
فانتَهى عندَكَ والنبضُ انتَشى
فَسرُوري إنْ تَكُنْ أنتَ مَعي
كمْ كَتَمتُ العشقَ لكنْ قد وَشى
جَفنُ عَيني بمَسيلِ الأدْمُعِ
إن الأبيات السابقة التي قدمتها الشاعرة استكمالًا لقصيدة “ليلتي طالت” تعكس تصعيدًا رائعًا للحالة العاطفية، حيث تتزايد مشاعر الشوق والحنين بشكل تدريجي حتى تصل إلى ذروتها، الشاعرة ليلاس زرزور تستخدم لغة غنية بالصور الشعرية والمشاعر الصادقة، مما يجعل القارئ يشعر بعمق العاطفة وفورة الحنين.
تصعيد الحالة العاطفية: تبدأ الشاعرة بوصف الليل الذي ذهب كصبرها، دون أن يأتي طيف محبوبها، مما يعكس حالة من الحزن والانتظار والسهد الذي طال حتى ذهاب الليل دون جدوى، ثم تنتقل إلى وصف غصن عمرها الذي انزوى وشكى من التيبس بسبب الفقد والبعد، مما يعكس تأثير الفراق على حياتها وعلى حالتها النفسية وصحتها العامة.
الاسترسال في المشاعر: الشاعرة تستمر في التعبير عن مشاعرها من خلال وصف قلبها الذي يشتعل بالشوق كلما ناح الحمام، وكيف أن الدموع تغرق عيونها عندما يخفي الغمام بدر الليل، إنَّنا نرى هذا الاسترسال يعكس حالة من حالات الحزن العميق والشوق المتنامي الذي لا ينتهي.
الصور الشعرية: أجادت الشاعرة واحسنت في رسم صور بديعة حيث استخدمن صورًا شعرية جميلة ومؤثرة في آن، مثل “ذوب الشموع” و”عيون النرجس” و”مريد الشمس”، مما يضفي على الأبيات جمالًا ورقة، كما أنَّ هذه الصور ترسم حالة الشاعرة وتصف مشاعرها وتعكس أحاسيسها بشكل فني راقٍ.
كما أننا نرى أنَّ الأبيات السابقة تعكس ثورة العاطفة وتأجج الانفعال وتصعيد درامي للحالة الشاعرية بشكل رائع، الشاعرة ليلاس زرزور تستخدم لغة غنية بالصور الشعرية والمشاعر الصادقة، مما يجعل القارئ يستشعر عمق العاطفة ويتحسس صهوة الشوق من خلال بعض الجوانب التي تعكس التصعيد المتنامي للحالة الشاعرية والدراما العاطفية مثل:
ثورة العاطفة: تتجلى ثورة العاطفة في الأبيات السابقة من خلال وصف الشاعرة لمشاعرها بشكل مكثف وعميق، فالشاعرة تعبر عن ليلتها الطويلة على جمر الفراق، وكيف أن قلبها يشتعل بالشوق كلما ناح الحمام، هذه الصور تعكس حالة من الانفعال العاطفي الشديد.
التهاب الوجد: يظهر في وصف الشاعرة لدموعها التي تغرق عيونها عندما يخفي الغمام بدر الليل، وكيف أن روحها تذوب في النوى مثل ذوب الشموع، هذه الصور تعكس حالة من الحزن العميق والشوق الذي لا ينتهي.
التصعيد العاطفي: الشاعرة تستمر في تصعيد الحالة الشاعرية والتعبير عن ثورة مشاعرها من خلال وصف قلبها الذي طار من بين الحشا حين جال الشوق بين الأضلع، وكيف أن النبض انتشى بوجود المحبوب، هذا التصعيد يعكس حالة من الفرح والسعادة بوجود المحبوب، رغم كل معاناة الألم والشوق.
وفي نهاية الأبيات السابقة تعبر الشاعرة عن فرحها وسرورها بوجود محبوبها، وكيف أن العشق الذي كتمته قد وشى به جفن عينها بمسيل الدموع، هذا الختام يعكس حالة من الرضا والسعادة بوجود المحبوب، رغم كل الألم والشوق مما يضفي على الأبيات جمالًا ورقة وعذوبة، الأبيات تعكس قدرة الشاعرة على التعبير عن مشاعرها بأسلوب فني راقٍ، مما يجعلها قطعة فنية رائعة تستحق التأمل والوقوف.
أما عن الملكة الإبداعية والأسلوب فنجد أنَّ:
الأبيات السابقة للشاعرة ليلاس زرزور تتميز بأسلوبها الراقي وبيانها البليغ، مما يعكس ملكة إبداعية فريدة، وهذه بعض الجوانب التي تبرز الأسلوب والبيان والملكة الإبداعية:
الأسلوب:
– الرقة والنعومة: الأسلوب المستخدم في الأبيات يتميز بالرقة والنعومة، مما يعكس الحس الأنثوي العالي والمشاعر الرقيقة، فالشاعرة بشكل تلقائي تستخدم الكلمات والمعاني والصور الشعرية التي تعبر عن مشاعرها بأسلوب ناعم وراقٍ ولطيف.
– الإيقاع الموسيقي: استخدام بحر الرمل “فَاعِلَاتُنْ فَاعِلَاتُنْ فَاعِلَا” بجانب الكلمات الموسيقية مع تنويع القافية، يضفي على الأبيات إيقاعًا موسيقيًا رقيقًا، مما يجعلها تتناغم مع نمط الموشحات الأندلسية، هذا الإيقاع يعزز من جمال الأبيات ويجعلها أكثر تأثيرًا فنغم الوزن يؤثر في الأذن فقط أما الإيقاع فإنه يؤثر في جميع الحواس وبتالي يؤثر في المشاعر بشكل عام.
الملكة الإبداعية:
– التعبير عن المشاعر: الشاعرة تتميز بقدرتها على التعبير عن مشاعرها بصدق وشفافية وأمانة متناهية، مما يجعل القارئ يشعر بعمق الإحساس وتوهج العاطفة، هذا الصدق والعفوية يعكسان الروح الإنسانية للذات للشاعرة والتي نلمح بصمتها في كلِّ الأبيات.
– التصعيد العاطفي: الشاعرة تتميز بقدرتها على تصعيد الحالة العاطفية بشكل تدريجي حتى تصل إلى ذروتها، بشكل تدريجي متنامي مما يجعل الأبيات أكثر تأثيرًا وجمالًا.
أن ثورة العاطفة، وتتأجَّج نارُ الانفعال، والتصعيد المتنامي للحالة الشاعرية هم زلازل متتابعة تهز قلعة المشاعر وتوقظ ساكن الإحساس في مواطن استِشعار الأخطار على الأحباب والأقران، وكذلك في مَواطن التِهاب الوجد، وتصاعُد الأشجان والأحزان، مِن: ندْب الشباب، والحنين إلى مَعاهِده، وأَصْدَق ما تكون العاطفة، عندما يغنِّي المرء لنفسه محبًّا، أو شاكيًا مبغِضًا أو مشتاقًا حمله الشوق على سفن الحنين ربما يرسوا يومًا على مرفئ المُحب.
عجائب الإلهام واللمسة السماوية
التجربة الشعرية تملك على الشاعر نفسه، وتكاد تحرمه لذة الطعام واسترخاء النوم، وليس لها وقت محدد لزيارة الشاعر، بل انها تطرق بابه فى أي وقت، وقد تتراءى له وهو بين أصدقائه وأعز أحبابه فيغيب عنهم، ولا يلحقه منهم سوى النقد والسخرية، كذلك فانها قد توقظه من النوم، وتتسلل إلى أحلامه، وقد تظهر أحيًانا فى كوابيسه، وبين غفوته، ويقظته؛
ويبدو بالفعل انها تكافئ الشاعر الذى يمنح نفسه بالكامل لها، فتستحوذ عليه بكرم بالغ، أما الذين يبخلون عليها بالوقت والجهد والانشغال بأمور الدنيا، فإنَّها كثيرًا ما تحرمهم من مرورها الساطع ووهجها الخاطف وبرقها الوامض.
إنَّ التعبير عن تجربة الشاعر مع الإلهام واللمسة السماوية من الأهمية بمكان وهو أمر عصي، فالإلهام الشعري هو بالفعل ظاهرة غامضة ومعقدة، حيث يشعر الشاعر بأنه مستحوذ عليه من قبل قوة خارجية تجعله يبدع أعمالًا تفوق قدراته العادية.
الإلهام يمكن أن يأتي في أي وقت، سواء كان الشاعر مستيقظًا أو نائمًا، وقد يضطر الشاعر إلى التضحية بالكثير من راحته ووقته ليتمكن من التقاط هذه اللحظات الإبداعية التي تأخذه من محيطه ليعيش تلك الحالة المُلهمة، على أنَّ هذا الشعور بالاستحواذ قد يدفع الشاعر إلى الانعزال عن محيطه الاجتماعي، مما قد يؤدي إلى سوء فهم من قبل الآخرين().
ومن الجدير بالذكر أن مفهوم الإلهام الشعري قديم جدًا، حيث كان يُعتقد في الثقافات القديمة أن الشعراء يتلقون إلهامهم من قوى غيبية أو آلهة معينة()، في الأدب العربي، كان يُعتقد أن لكل شاعر شيطانًا يلهمه الشعر، وهذا ما يعكس مدى تعقيد وغموض هذه الظاهرة().
إنَّ الطابع الجبري في التجربة الشعرية هو الذى دفع الكثير من الشعراء إلى أنْ يعتبروا ورودها عليهم، أو تجليها لهم نوعًا من الإلهام؛
والإلهام في حقيقته عبارة عن لمسة سماوية تصطفي بعض البشر فتجعلهم يأتون بأفعال أو أقوال تفوق قدرة أمثالهم، وتعلو على مستواهم، ومما يؤكد ذلك أن لدينا من الشعراء الملهمين من بدأ كتابة الشعر المُتصف بالمستوى العالي وهو في عمر مبكر جدًا، وحتى قبل أن يدرس أو يطَّلع على مسيرة من سبقوه من كبار الشعراء والمفكرين.
لكن هذه اللمسة السماوية، التي يطلق عليها مصطلح الإلهام ليست متساوية القوة والمقدار لدى كل الشعراء، بل إنَّ كل واحد منهم يحظى منها بنصيب مختلف.
وفي إطار الإلهام الشعري واللمسة السماوية نقرأ ختام القصيدة السابقة للشاعرة ليلاس زرزور “ليلتي طالت” علَّنا نتحسس بعضًا من هذا الإلهام العلوي، حيث تقول الشاعرة:
*********
وأنا أزجُرُ قلباً ماارعَوى
صَهلَ الشوقُ بهِ كالفَرَسِ
كُلّما أشكو تباريحَ الجَوى
قالَ لي تَفديكِ رُوحي احتَرسي
أَسَرَتْ عيناكَ قلبي إنّما
أنتَ أحلى دَهشَـةٍ يا آسري
بِجَناحِ الحُبِّ طِرْنا للسَما
نُذهِلُ الشَمسَ بعشقٍ ساحرِ
نَسْبقُ الخَطْوَ وَنَمْضي قُدُما
نَحوَ سـرٍّ مُدْهشٍ في خاطري
لّفَّ خَيطُ النُورِ حَولي والتَوى
وَرَماني برياضِ السُندُسِ
وَملاكُ النُورِ للنَجْـمِ رَوى
صَفْوَ عشقٍ طاهرٍ من دَنَسِ
أجملُ الأيّامِ مَرّتْ وانقَضَتْ
ليتَ عَهْـدَ الوصلِ فينا وَقَفا
ذكرياتٌ كلّما قد أومَضَتْ
زِدْتُ من نارِ اشتياقي لَهَفا
فالليالي ياحبيبي إنْ مَضَتْ
تسرُقُ العُمْـرَ فَنُبدي الأسَفا
خُذْ فُؤادي كي ترى ماقد حوى
من غَرامٍ فاقَ حَـدَّ الهَوَسِ
واسمُكَ الحُلْوُ يُغنّيهِ الهَوى
بشَهيقي وَارتدادِ النَفَسِ
****
نلحظ في هذه الأبيات من قصيدة “ليلتي طالت” للشاعرة ليلاس زرزور إنه يعكس ذروة العاطفة والانفعال، ويبرز جمال الأسلوب والبيان، ويظهر فيها روعة الإلهام، لنرى بعض الجوانب التي تميز بها هذا الختام:
– ثورة العاطفة: الشاعرة تبدأ بوصف قلبها الذي لا يهدأ، حيث يشتعل الشوق فيه كصهيل الفرس، هذا يعكس حالة من الانفعال العاطفي الشديد الذي يسمع لصوت الوجد فيه صهيل مثل الخيول، كما جاء تعبيرها عن أنَّ عينيّ محبوبها أسرت قلبها، وأنَّه أحلى دهشة في حياتها، يعكس عمق الحب والدهشة التي تشعر بها تجاهه.
– التصعيد العاطفي: الشاعرة تصف كيف طارت بجناح الحب إلى السماء، مما يعكس حالة من السمو الروحي والانصهار في الحب، كما أنَّ استخدام الصور البلاغية مثل “لفَّ خيط النور حولي والتوى”، و”رياض السندس” يعكس حالة من السحر والجمال الذي يحيط بها بسبب الحب، ويطوقها من كل اتجاه.
– الحنين والذكريات: الشاعرة تعبر عن أجمل الأيام التي مرت وانقضت، متمنية أن يعود عهد الوصل، والأنس باللقاء، وهو ما يعكس حالة من الحنين والشوق للأيام الجميلة التي قضتها مع محبوبها، كذلك أيضًا وصفها للذكريات التي تومض وتزيد من نار اشتياقها يعكس عمق الحنين والألم الذي تشعر به بسبب مرارة الفراق وغصة البعاد.
أما خاتمة الأبيات فنرى أنَّ: الشاعرة تختم الأبيات بدعوة لمحبوبها ليأخذ قلبها ويرى ما يحتويه من غرام فاق حد الهوس، هذا يعكس حالة من الاستسلام الكامل للحب، كما يبرز حالة الجنون في الشعر الذى أودى بها لحالة تفوق حد الهوس، كما أنَّ تعبيرها عن أن اسم محبوبها يغنيه الهوى بشهيقها وارتداد نفسها يعكس حالة من الانصهار الكامل في الحب، حيث يصبح المحبوب جزءًا لا يتجزأ من وجودها.
بيد أننا نلمح في الأبيات الأخيرة للشاعرة ليلاس زرزور نفحة من عجائب الإلهام الشعري واللمسة السماوية بشكل رائع، وإذا أردنا أنْ نستعرض هذه الجوانب نجد أنَّ:
– عجائب الإلهام الشعري: ويظهر الإلهام في الإبداع المبتكر للصور الشعرية، كما يظهر في التعبير العميق عن المشاعر
الإبداع في الصور الشعرية: الشاعرة تستخدم صورًا شعرية مبتكرة مثل “صهيل الفرس”، و”جناح الحب” و”خيط النور”، مما يعكس إلهامًا شعريًا فريدًا، هذه الصور تضفي على الأبيات جمالًا وسحرًا خاصًا.
التعبير العميق عن المشاعر: الشاعرة تعبر عن مشاعرها بصدق وشفافية وأمانة وعفوية مطبوعة، مما يجعل القارئ يشعر بعمق العاطفة والحنين، وهذا الإلهام الشعري يظهر في قدرتها على نقل مشاعرها للقارئ بشكل مؤثر وجميل.
– اللمسة السماوية: ويضهر في السمو الروحي ، والنور والنقاء، الانصهار الكامل في الحب حد الهوس.
السمو الروحي: الشاعرة تصف كيف طارت بجناح الحب إلى السماء، مما يعكس حالة من السمو النفسي والعلو الروحي والانصهار في الحب، وهذا يعكس لمسة سماوية تجعل الحب يبدو كأنه تجربة روحية سامية يحلق في ملكوت السماء.
النور والنقاء: استخدام الشاعرة للصور البلاغية مثل “خيط النور” و”رياض السندس” و”ملاك النور” يعكس حالة من النقاء والطهارة والقداسة في الحب. وهذه اللمسة السماوية تضفي على الأبيات جمالًا وروحانية وهالة من نورٍ ساطع.
الانصهار الكامل في الحب: الشاعرة تختم الأبيات بدعوة لمحبوبها ليأخذ قلبها ويرى ما يحتويه من غرام فاق حد الهوس، مما يعكس حالة من الاستسلام الكامل للحب، وهذا الانصهار يعكس لمسة سماوية تجعل الحب يبدو كأنه تجربة علوية سامية.
ومن عجائب الالهام فى التجربة الشعرية أن الشعراء هم الذين يدركون جيدًا قيمة الأشياء حين يصغون إليها، وهم من يدركون اللمسة السماوية لدى غيرهم من الشعراء، ولكن البعض تعودوا عدم الاعتراف بذلك، وتدفعهم المكابرة فى الحق إلى تجاهل الشاعر ذا المستوى العالي ويحاولوا بكل الوسائل الغض من شعره، فإن لم يستطيعوا بحثوا عن بعض العيوب فى شخصه، وهذا مع الأسف حال الأغلبية منهم إلا من رحم ربي، أما النقاد -من غير الشعراء- فقلما يدركون تلك اللمسة السماوية وعجائب الإلهام التى يتميز بها بعض الشعراء، ولذلك لا يتجاوز حديثهم عنهم أكثر من الوسائل الفنية أو البنية النصية فى إنتاجهم الشعري.
التصوير البصري
يعد فضاء التشكيل البصري من أهم العناصر التي تؤسس شعرية النص الأدبي بشكل عام، والنص الشعري بشكل خاص، وذلك لكونه مكونا مهما في تشكيل النص، وبناء مختلف دلالاته، كما أنَّه “عنصر بنيوي إجرائي فعال من الدرجة الأولى، يسهم في خلق النص وتوليده عمقًا، وسطحًا، وظاهرًا”().
يتشكل النص الشعري في فضاء بصري يتمثل في تشكيل قصيدة على أشكال هندسية موظفًا الفراغات والسطور والكلمات، وعلامات الترقيم والفقرات المتوالية بأبعادها البصرية، ومن الأمثلة البارزة لهذا التشكل ديوان “في اتجاه صوتك العمودي” لمحمد بنيس()، وكذا دواوين الملحميات والمسرحيات الشعرية ودواوين شعر التفعيلة لعدد كبير من الشعراء المعاصرين وكذا بعد القصائد العمودية التي يعمد بعض الشعراء إضافة فضاء بصري لها.
إن التشكيل البصري ليس قالبًا مسبقًا ولا عنوة تحكمية، فهو ينتمي إلى ما يميز الثقافة الكونية الراهنة باعتبارها ثقافة صور وأشكال تقوم التقنية بتوليدها وتنويعها، ويتضمن معاني الصوغ والتحويل والتركيب أو التأليف بحثًا عن ذلك الشكل الذي لم يُرَ من قبل، ويحيل أساسًا إلى الوعي الحديث بأهمية المظهر البصري للعمل الإبداعي باعتباره “تشكيلاً”، وباعتبار أن عملية الإدراك أو التلقي الأولى إنما تتجه إلى “الشكل العام” لا إلى الجزئيات، فالتشكيل لا يطابق مفهوم الكتابة لأنه يتضمن ما يفيض عن عملية تحويل المنطوق إلى مكتوب، ومن هنا يكتسب التشكيل أحقية وصفه بالبصري؛
إذ أنه من حيث انتمائه وتضمنه وإحالته لا يتحقق، ويدرك، ويتلقى، إلا من خلال حاسة البصر/ البصيرة التي تأخذ هنا بعدًا فلسفيًا ينتمي إلى الخارج، وإلى حقل الثقافة البصرية التي تعرف بأنها منظومة متكاملة من الرموز والأشكال والعلاقات والمضامين والتشكيلات التي تحمل خبرات ورصيد الشعوب الحضاري، وتتصف بسماتها وهي نامية ومتجددة وذاتية وديناميكية، وتدور مجالات البحث في حقل الثقافة البصرية حول البعد الفلسفي في إبيستمولوجيا المشاهدة وسيميوطيقية الصور والعلامات البصرية، وحول البعد السيكولوجي للمجال البصري، وسيضم هذا فضاءات ذات بعد ظاهري وعضوي ومعرفي تتعلق بالتفاعل الإبصاري، وهي صيغ تتعلق بالعرض والنظر البصري / والبصيرة والإدراك وأنثروبولوجيا () المشاهدة().
التشكيل البصري هو كل ما يمنحه النص للرؤية، سواء كانت الرؤية على مستوى البصر “العين المجردة” أو على مستوى البصيرة “عين الخيال” ويختلف التشكيل بهذا المفهوم عن مفهوم الشكل التقليدي المتعارف عليه في النقدي الأدبي، الذي يشير إلى قالب أو نمط معروف مسبقًا، هذا النوع من الأشكال تحكمي وآلي، ولا يسعه تقديم دلالة ذات قيمة فنية، فالشكل المسبق المفروض على المضمون يمارس قمعًا وتسلطًا على المضمون الذي يريد أن يتشكل، فيأتي الشكل المسبق ليحد من تشكله بصرامة لذا، كان لابد للمضمون البحث عن مخرج من تسلطية الأشكال المسبقة والقوالب الجامدة، فكان التشكيل البصري النابع من المضامين والعائد إليها هو البديل والملاذ والفضاء الأرحب للإدراك، فالشكل سابق على النص ومفروض عليه، أما التشكيل البصري فطارئ ومبتكر، وقد كانت أحكام الشكلانيين على الشعر تعتمد على شيئين هما: الجدة والمفاجأة.
أمَّا التصوير البصري في قصيدة “ليلتي طالت” وخاصة في الأبيات الأخيرة، يعكس قدرة الشاعرة ليلاس زرزور على خلق مشاهد حية ومؤثرة من خلال الكلمات التي تعبر عن الحركة أو المشهد، ونستعرض بعض الأبيات التي تبرز هذا التصوير البصري:
***
أجملُ الأيّامِ مَرّتْ وانقَضَتْ
ليتَ عَهْـدَ الوصلِ فينا وَقَفا
ذكرياتٌ كلّما قد أومَضَتْ
زِدْتُ من نارِ اشتياقي لَهَفا
فالليالي ياحبيبي إنْ مَضَتْ
تسرُقُ العُمْـرَ فَنُبدي الأسَفا
خُذْ فُؤادي كي ترى ماقد حوى
من غَرامٍ فاقَ حَـدَّ الهَوَسِ
واسمُكَ الحُلْوُ يُغنّيهِ الهَوى
بشَهيقي وَارتدادِ النَفَسِ
****
أجملُ الأيّامِ مَرّتْ وانقَضَتْ: الشاعرة تبدأ بوصف الأيام الجميلة التي مرت وانقضت، مما يخلق صورة حية للأوقات السعيدة التي أصبحت جزءًا من الماضي، هذا التصوير يعكس الحنين والشوق لتلك الأيام.
ذكرياتٌ كلّما قد أومَضَتْ: استخدام كلمة “أومَضَتْ” يعكس صورة بصرية للذكريات التي تومض في ذهن الشاعرة، مثل ومضات الضوء التي تسطع في الذاكرة، وهذا التصوير يعزز من تأثير الذكريات على مشاعر الشاعرة وإحساسها بالحنين الدائم لهذه الذكريات ويزيد من نار اشتياقها.
فالليالي ياحبيبي إنْ مَضَتْ: الشاعرة تصف الليالي التي تمضي وتمر وتسرق العمر، مما يخلق صورة بصرية حية للزمن الذي يمر بسرعة ويترك أثره على الحياة، هذا التصوير يعكس الحزن والأسف على مرور الوقت، فالتشكيل البصري هنا يعزز الشعور بالحزن والأسف على ما مضى.
خُذْ فُؤادي كي ترى ما قد حوى: الشاعرة تدعو الحبيب ليأخذ قلبها ويرى ما يحتويه من غرام، وحبّ شديد، مما يخلق صورة بصرية لقلبها المفتوح والمليء بالحب، هذا التصوير يعكس عمق المشاعر والانصهار الكامل في الحب، وهنا التشكيل البصري يعبر عن وهج العواطف التي تتجاوز الحدود العادية، مما يخلق صورة قوية للحب والهوس.
واسمُكَ الحُلْوُ يُغنّيهِ الهَوى: الشاعرة تصف كيف أن اسم محبوبها يغنيه الهوى بشهيقها وارتداد نفسها، مما يخلق صورة بصرية وصوتية للحب الذي يملأ كل جزء من وجودها. هذا التصوير يعكس الانصهار الكامل في الحب والتأثير العميق للمحبوب على حياتها، فكأن اسم الحبيب يُغنى مع كل نفس تأخذه، هذا التشكيل البصري يعبر عن مدى تأثير الحبيب على حياتها اليومية، حيث يصبح اسمه جزءًا من كل نفس تأخذه.
الأبيات تعكس قدرة الشاعرة على خلق مشاهد حية ومؤثرة من خلال الكلمات تصنع صورًا متحركة تعكس الإحساس وتصف المشاعر وتعيد الذكرى من الماضي البعيد، مما يجعل القصيدة لوحة فنية متحركة رائعة لمشاهد حقيقية تستحق التأمل والنظر والقراءة والتأويل.
التشكيل البصري يعزز من قوة النص ويجعل القارئ يتفاعل معه بشكل أعمق، كما أنَّ التشكيل البصري هنا ليس مجرد شكل مسبق، بل هو نابع من مضمون النص ويعبر عن المشاعر والعواطف بشكل مبتكر وجديد.
وارتكازًا على ما سبق يمكننا القول أنَّ:
إن الثقافة البصرية تهدف من خلال التشكيل البصري إلى تجسيد الإدراك الحسي للعالم، لا إلى خلق التصورات عنه؛ وذلك من خلال دعوة المتلقي إلى التبصر في النص المعطى، ليكون الإدراك من خلال البصيرة هو المخرج من التمركز حول الصوت والتلقي السمعي “والتسلط” الناتج عن ثقافة الأذن فقط. فثقافة الأذن ثقافة السمع والمحافظة، إنها ثقافة الوثوقية والتقليد، ثقافة الأذن على الدوام ثقافة سلطة، أما العين فلما لها من قوة قلب على شبكيتها، ولما لها من قدرة على تعديد منظوراتها وزوايا نظرها، وكذلك البصيرة الإدراكية التي تجعل الثقافة التي تعتمدها ثقافة نقدية. وقد ميزت الثقافة البصرية والإدراكية تمييزًا مفيدًا لقراء الشعر بين المخيلة المقيدة والمخيلة الحرة؛ الأولى: مخيلة سماعية عضلية تثور بالضرورة حتى لو كان الإنسان يقرأ لنفسه، وهي واحدة تقريبًا لدى كل القراء الأكفاء، والثانية: بصرية إدراكية وتتنوع بين شخص وآخر أو بين نمط ونمط، مما يجعل الثقافة البصرية والإدراكية هي المحفز الرئيس للتشكيل البصري في الشعر العربي الحديث.
إن التشكيل البصري يساير واقع الحياة المعاصرة التي تهتم بجانب المادة والمدركات الحسية، ومن هنا يختلف التشكيل من نص إلى آخر حسب مضمون وحالة كل نص، مما يجعله جزءًا أساسيًا من النص بحيث يصبح المعطى الكتابي البصري مولدًا للمعنى الشعري وفارضًا وجوده على أنه بنية دلالية قائمة بذاتها على أسس رمزية، وهذا التصور الرمزي للفن والعمل الفني يحيلنا في إدراك الأشكال على اعتبار أن التشكيل هو في ظاهره شُكَّلَ بالمعنى الحسي للشكل، وهذا يتطلب إدراكًا شعوريًا وحسيًا، شاملًا فالذات تدرك الشكل كمجموعة مبنية لا فاصل بين عناصرها.
إن الشكل المبني بكيفية غريبة ابتكارية يبرز بشكل أفضل، كما نؤكد في الشعر والأدب على أهمية إدراك الفضاء النصي بالكامل، والمقصود بإدراك الفضاء هنا البصيرة النافذة لكل المظاهر الهندسية للأشياء: الموضعة، والاتجاه، والكبر، والمسافة، وإدراك الصورة الحسية التي تفسر دلالات المعنى بشكل صحيح وغير نمطي.
الاستخلاصات والنتائج:
– إن أدب المهجر هو التسمية القديمة التي كانت تطلق على الأدباء والمبدعين في المهجر، وكانت تسمى أيضًا أدب الشتات، أدب المنافي، أدب الغربة، وكان أدب المهجر حاضرًا في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وكان أدباء المهجر من الشام، هم الذين فتحوا هذه الصفحة من الأدب العربي، حيث أسسوا في المهجر روابط وجمعيات أدبية، ويرجع سبب الهجرة حينها إلى أسباب اقتصادية، أو لأسباب سياسية.
– إن فضل أدباء المهجر كبير على الأدب بصفة عامة، وعلى الأدب العربي بصفة خاصة، فقد استطاعوا أن يجعلوه أدبًا عالميًّا ومشهوارًا بين البلدان العربية وغير العربية.
– لقد تعددت موضوعات شعر المهجر فيما بين الحنين إلى الوطن، وهم في ديار الغربة فألفوا العديد من القصائد في هذا المجال، إضافة إلى تمسكهم بالطبيعة واعتبارها موطن الحب والجمال، ودعوتهم إلى التأمل والتفكر والنظر إلى الحياة بنظرة التفاؤل وفلسفة الحياة، كما أن قصائدهم كانت ذات طابع إنساني، لكن ليس كل البشر إنسان وإنما هنا نقصد الإنسان الذي يحب الخير للناس ويسعى إلى تحقيق العدل والمساواة بين البشر
– وحسبما نرى إن شعر ليلاس يعمق مفهوم الشعر على إنه فكرة وعاطفةٌ وموسيقى، فبغير الموسيقى لا يكون الشعرُ، ولولا الأذن ما كان الكلام، وما يتولّدُ من ارتباط المعاني، وما يندمج من ألوان الصّور، وما يتآلف من رنّات اللّفظ، ليس إلاّ هذا الكائن الفنّي المتناغم الذي نسمّيه شعْرا، وكيف لا يكون الشعر موسيقى وهي التي تجلو الإحساس، وترفع من مستوى العاطفة، وتجعل الفكرة تتسرّبُ إليك بين الكلمات، كما تتسرّبُ روح الشاعرة من خلال المسافات الصامتة المرتعشة التي تجيء بين النبرات والاهتزازات صعودا ونزولا في نصّ القصيدة.
– إنَّ ليلاس زرزور كأحد شواعر المهجر عندما عصفت الغربة في خبايا روحها، وعشعشت فيها سكنًا وموطنًا، وجدت نفسها مضطرة للعيش في المنفى والتأقلم معه حتى تستطيع أن تحيا حياته، ولكنها بشكل عام لن يثنيها هذا التأقلم عن الأصل ولن يضعف صلتها بالوطن الأم وارتباطها به، ولن تصل إلى حد الانسجام والاندماج الكلي بوطن المنفى، ولن تنسيها الغربة آلام وطنها ومآسيه، فلا تزال صورة الوطن تشعل الحنين إلى الذكريات والصبا “والياسمين السوري”، التي تزف إليه الدمع ريَّا وذكريات الأصحاب والرفيقات، وإذا ما انفض الساهرون والأصحاب من مجالس الوطن، وخيّم ليل الغربة، فإنّ حنينا يتأجج عاصفًا ببقايا الروح، مقتلعًا، حاملًا لها إلى الوطن الأصل والمركز، وطن المنشأ والأصدقاء، وطن الأهل والطبيعة والجمال.
– بينما يكون حضور الشاعرة فاعلًا على خريطة الأرض فهي تمثل لها الطبيعة، والقضية، والوطن، بل والحياة مجسدة بهاءها وجمالها، ترى فيها طبيعة الوطن، مشكلات أخيها الإنسان، بحيث يظهر جوانب البؤس والحرمان والقهر الذي يحياه الفرد الكادح في مقابل حفنة من أمان ولا يجدها.
– وقد تميز شعر ليلاس زرزور كمعظم أدب المهجر بالنزعة الإنسانية والتأملية، والحنين إلى الوطن، لكن الخطاب الشعري لها كان أكثر لوعة وأكثر إيلامًا، ويرجع هذا إلى أنَّ الأحداث التي عاشها الأديب العربي المعاصر في معظم البلدان العربية للأسف كانت أحداثًا كارثية، فلم يستطع المبدع النجاة بنفسه، ولم يستطع الحفاظ على حلمه الإنساني والإبداعي، ولم يقتصر الأمر على أدباء الشام، بل شمل كل شعراء ومفكرين الوطن العربي.
– أن أدباء المهجر الحديث استطاعوا أن يبدعوا في مختلف ألوان الإبداع، وأثاروا انتباه الآخر وحصدوا وهم في الغربة أعلى التقدير نظير ألوانهم الإبداعية، وقد ارتأينا في تجربة ليلاس زرزور أن الحديث عن أدب المهجر اليوم تجاوز مسألة الحنين، فالمبدع الذي هجر موطنه اليوم يعاني من التشظي في الروح والانفصام والحنين إلى المجتمع العادل، والحاجة إلى المساواة والإنسانية وهو ما تلمسناه من خلال قصائدها التي تناولناها بالنقد والقراءة والتحليل.
– إننا نرى أنَّ وجود المسجد الأقصى وبيت المقدس “القدس” تحت وطئة الاحتلال الاسرائيلي، شكل في جسد النصوص الشعرية لدى الشاعرة ليلاس زرزور علامة واضحة القسمات، مما جعل نصوصها تحظى بمكانة رفيعة وأهمية كبيرة، وقد كان للأماكن المقدسة وهج خاص في قلوب الشعراء وبخاصة قلب الشاعرة ليلاس المولع بالاهتمام بالقضايا القومية والوطنية وعلى رأس تلك القضايا قضية فلسطين والذي نلمحه في كم القصائد التي كتبتها عن القدس والأقصى وعزة، وفلسطين، فهي دائمة التفكير فيما يحدث للأقصى، من فقدان للحرية وتدنيس واستباحة لكل المحارم، إن هذا الإحساس الملازم لخلد الشاعرة التي ترى في احتلال المسجد الأقصى احتلالًا لكل فلسطين، بل بكل إنسان حر، لأن المسجد الأقصى شريان القلب النابض في فلسطين، والجرح النازف في قلب كل عربي غيور.
– وقد شكلت دلالة “الأقصى” في شعر ليلاس زرزور حياة النص الشعري، فبات هناك علاقة تفاعلية، وتمازج مكاني وروحي بين المسجد الأقصى وفلسطين من جهة، وبين القضية في وجدان الشاعرة من جهة أخرى، وهذه الفاعلية جعلت الشاعرة تعبر عن حنينها وحبها العميق لفلسطين وربطها دائما بربا المسجد الأقصى والمقدس الديني واستشراف النصر على الدوام في جميع القصائد بالرجوع إلى الله والدعاء وشحذ الهمم والاستنفار السواعد.
– إن المتأمل لواقع الشعر العربي المعاصر يراه يعكس اتجاهات فكرية مختلفة فبعضها يعكس وجهة دينية، والبعض الآخر يعكس الوجهة القومية أو حداثية وغيرها من اتجاهات الفكر المعاصر بيد أنه هذه الرايات والأوجه المتعددة لا تلبث أن تتهاوى ذليلة مهما عظم أمرها وقوي عودها واتسع نفوذها إذا كانت لا ترتبط بالله ربًا ولا بالدين والمعتقدات والمثل، ولأنها تفتقد إلى الشمول والتناسق والانسجام والتوازن في رؤيتها لحقائق الوجود الكبرى التي يتعلق بها الإنسان.
– وفي إطار هذا المضمون الذي يحمل الوازع الديني في الخطاب الشعري تحتفي الشاعرة ليلاس بمناسبات دينية عديدة في مسيرتها الإبداعية فقد كانت ولاتزال حاضرة في كل المناسبات بل وفي كل المواقف والأحداث سواء كانت مناسبات دينية أو طقوس تعبدية أو مكان مقدس أو أزمنة لها خصوصية ومرجعيات دينية ستجد كل هذا وأكثر في قصائد عديدة احتفت بها ليلاس زرزور لتأكد على أهمية الوازع الديني لديها وأنَّه مقترن بتجربتها الشعرية اقتران الروح بالجسد.
– البيئة الشعرية ونعني بها المحيط أو الحيز المكاني بكل موجوداته، والذي أثر على فكر وعاطفة الشاعرة ليلاس زرزور كان محفز لها على نظم ما تشعر به، ومنه استطعنا التعرف على الحالة النفسية للشاعرة إذ فيها تولد الارهاصات نواة الإبداع، وقد كان للطبيعة ومكوناتها من سماء وأرض، قحط وماء، أشجار وأزهار، شمس وقمر، ليل ونهار، حب وعشق، بالمختصر هي بيئة عابقة بأجواء رومانسية خلابة، عكست جمالها تعابير وألفاظ لغوية خطها قلب الشاعرة بتمكن ومقدرة تحسب لها وكان صادقة وأمينة في التحدث عنها ونقلها لنالتذكرنا بدورة الحياة المتعاقبة ليل ونهار، موت وحياة، مطر وقحط حتى اختصر لنا رحلة حياة بأكملها في تجربتها الشعرية.
– إنَّ تقنية الصوير البصري عند ليلاس زرزور لم يكن انزياح الكتابي، بقدر ما كان انزياح معجمي يرسم صورًا مشهدية حية متحركة فمن خلال التعبير بالصورة الشاعرية ترى لوحة دينامية الحركة، لذا لم يعد المعروض نصًّا فحسب، بل هو إلى جانب ذلك فضاء صوري مضموني، لا يخلو من دلالة تحكمها مقصدية منتج الخطاب، وبالتالي فإن فهم النص، واقتناص مدلولاته، واستكناه إيحاءاته، لا يقع على العقل وحده، بل لا بد من تعاضد العقل والسمع والبصر.
– في الختام لا نقول أننا أعطينا الموضوع حقه في الدارسة لأن البحث في أدب المهجر وشعارءه خاصة ونحن أمام شاعر كبيرة مثل ليلاس زرزور لها إسهامات شعرية كبيرة، لذا فالأمر يستحق العديد من الوقت والدراسات لكشف جماليات هذا الأدب كما أردنا أن نترك ونفسح المجال لهذه الدارسة أن تبقى مفتوحة على أمل أنه سيأتي هناك من يتناولها بطريقة جديدة ويملأ ثغرات قد أغفلنا عنها.
التوصيات
أوصي بالبحث في هذه النقاط في أدب المهجر والإهتمام بدراسة أعمال شعراء المهجر وخاصة الشعراء والأدباء المعاصرين
– الفكر والتأمل في المريا الكونية في أدب المهجر
– شعراء المهجر والمجاز الخصيب
– من رحم المعاناة تولد الحكمة دراسة تحليلية في الخطاب الشعري لشعراء المهجر
– البلاغة والمستوى الجمالي في أدب المهجر
– البنية الفنية بين الحداثة والكلاسيكية في أدب المهجر
– الخطابية وشحذ الهمة عند أدباء المهجر
المراجع
– راجع : ستیف أولمان: الأسلوبیة وعلم الدلالة ، (ت) محي الدین محسب ، ص23
2 – سايمور تشاتمان: بالإنجليزية (Seymour Chatman) هو صحفي ومؤلف وناقد سينمائي وكاتب أمريكي، ولد في 30 أغسطس 1928، وتوفي في 4 نوفمبر 2015 في بيركيلي في الولايات
3- راجع : ستیف أولمان: الأسلوبیة وعلم الدلالة، مرجع سابق ص64
4- راجع: المرجع السابق ص10
5- كریم زكي حسام الدین: التحلیل الدلالي ( إجراءاته و مناھجه) ج1، دار غریب، القاھرة 2000 م، مصر ص 40
6- راجع: عبد االله التطاوي ‘الصورة الفنیّة في شعر مسلم بن الولید ‘ ، دار الثقافة للنشر، ج1، القاھرة 1997م مصر، ص22
7- راجع: كریم زكي حسام الدین : التحلیل الدلالي(إجراءاته و مناھجه) ج1 ، دار غریب ، القاھرة 2000 م مصر ص 141
8- راجع: عبد المجید جحفة : مدخل إلى الدلالة الحدیثة : دار توبقال، ط،1 الدار البیضاء 2000 م ، المغرب ص 17
9- راجع: سالم شاكر ، مدخل إلى علم الدلالة (ت) محمد یحیاتین ، دیـوان المـطبوعات الـجامعیة 1992م , الـجزائر ص 10
10- راجع: كریم زكي حسام الدین، التحلیل الدلالي، مرجع سابق ص 120
11- راجع: در الدین بن تریدي ,الفعل زمنه و إعرابه و تصریفه ، المؤسسة الوطنیة للكتاب ،1992, الجزائر, ص 50
12- راجع: د.عبد الصاحب الموسوي: حركة الشعر في النجف الأشراف وأطواره خلال القرن الرابع عشر الهجري – دراسة نقدية – (دط) دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت، ط1، 1988م، ص 417.
13- راجع مرتضى فرج الله: أشرعة الفجر، (دط) مطبعة الحيدرية –النجف، ط1، 1969م، ص 27
14- ويلبرس سكوت: خمس مداخل إلى النقد الأدبي – مقالات معاصر في النقد، تر: عناد غزوان ، وجعفر صادق الخليلي، (دط) دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد، 1986م، ص 27.
15- معجم المعاني الجامع ، المعجم الوسيط ،اللغة العربية المعاصر ،الرائد ،لسان العرب ،القاموس المحيط. قاموس عربي عربي، مادة قدس.
https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AF%D8%B3
16- قرآن كريم: سورة الإسراء، الآية (1).
17- انظر: سمير جريس: القدس ـ المخططات الصهيونية، الاحتلال، التهويد، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، ط 1، 1981، ص22 ـ 33.
18- المرجع السابق: القدس، ص 34.
19- انظر: عارف العارف: المفصّل في تاريخ القدس، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط 3، 2005م، (الباب الثامن ـ ص 715 ـ 774)، والقدس (الفصل السابع ص 181 ـ 204).
20- يعقوب العودات (البدوي الملثم): الناطقون بالضاد في أميركا الجنوبية، دار ريحاني للطباعة والنشر، بيروت، 1956، ص279.
21- محمد حسن شراب: موسوعة بيت المقدس والمسجد الأقصى، ج2، (دط)، الأهلية للنشر والتوزيع، ط1، عمان ـ 2003م، ص 553
22- مجموعة من شعراء العرب: ديوان الحلم العربي، إعداد: ليلاس زرزور، عدنان الجميلي، تر: تغريد بو مرعي، (دط) التجمع العربي للطباعة والنشر والتسويق – جمهوية مصر العربية، 2024م.
23- بسام جرار: سلسلة الدراسات القرآنية (4)، من أسرار الأسماء في القرآن الكريم، ط1، رام الله: مركز نون للدراسات القرآنية، 2003م، ص 67.
24- راجع: محمد يونس: مقدمة في علمي الدلالة والتخاطب، دار الكتاب الجديد المتحد، بيروت، 2004، ص13.
25- المرجع نفسه ص 19.
26- M,D,L’E’nonciation en linguistique française,p4
27- دائرة المعارف الإسلامية: مجلد2، ص439 – المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربية، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة، 1983، ص62.
28- راجع: عز الدين إسماعيل: الأسس الجمالية في النقد الأدبي، دار الفكر العربي، ط3، 1974، ص41.
29- راجع: د. مصطفى الشكعة: الأدب في موكب الحضارة الإسلامية- كتاب الشعر، دار الكتاب اللبناني بيروت، ط1، 1973، ص:105.
30- مصطفى أحمد فؤاد: الأماكن الدينية في منظور القـانون الـدولي، دراسـة تطبيقيـة للانتهاكات الإسرائيلية بالأماكن المقدسة في فلسطين، 1998م، ص 25.
31- راجع: أحمد إبراهيم الشريف: مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسـول –صـلى االله عليـه وسلم،- دار الفكر العربي، القاهرة، 1421هـ2000/م، ص 149.
32- راجع: محمد عبده الشبيلي: الاتجاه الإسلامي في الشعر السعودي الحديث، مطبعـة الحـرس الوطني، الرياض، ط،1 1410هـ، ص 67.
33- راجع: أحمد الشايب: أصول النقد الأدبي، مطبعة الاعتماد. نشر ومكتبة النهضة المصرية ط3/ 1365 هـ = 1946 م، ص 181.
34- راجع: د. منصور عبد الرحمن: اتجاهات النقد الأدبي في القرن الخامس الهجري، طبع ونشر مكتبة الأنجلو المصرية 1397 هـ = 1977 م، ص 407.
35- راجع: المرجع السابق ص 407.
36- راجع: ابن قتيبة: الشعر والشعراء، تحقيق: أحمد محمد شاكر: دار المعارف ج1، القاهرة، ص 30، 31.
37- راجع: د. معمر حجيج: تحليل-الخطاب-الشعري-في-ضوء-مقاربة-المنهج-الأسلوبي-(نماذج-من-الدراسات-العربية-المعاصرة).
تحليل الخطاب الشعري في ضوء مقاربة المنهج الأسلوبي (نماذج من الدراسات العربية المعاصرة) | ASJP (cerist.dz)
38- راجع: د. فاضل احمد القعود: لغة الخطاب الشعري عند جميل بثينة: دراسة أسلوبية بنائية، (د.ط) المنهل 2012م، ط1 صنعاء – اليمن، ص 213.
39- راجع: د. محمد مندور: فن الشعر (د.ط) ، مؤسسة هنداوي – القاهرة – مصر 2019م، ص 22.
40- راجع: محمد موزون: الإلهام في الإبداع الشعري، مقال ديسمبر 2016م، أصلع عليه 6/10/2024م
https://www.google.com/search?q=%D8%B9%D9%86%D9%88%D8%A7%D9%86+%D9%85%D8%A4%D8%B3%D8%B3%D8%A9+%D9%87%D9%86%D8%AF%D8%A7%D9%88%D9%8A&oq=%D8%B9%D9%86%D9%88%D8%A7%D9%86+%D9%85%D8%A4%D8%B3%D8%B3%D8%A9+%D9%87%D9%86%D8%AF%D8%A7%D9%88%D9%8A&gs_lcrp=EgZjaHJvbWUyBggAEEUYOTIHCAEQABiABDIICAIQABgWGB4yCggDEAAYogQYiQUyCggEEAAYgAQYogQyCggFEAAYgAQYogTSAQoxMTk4N2owajE1qAIIsAIB&sourceid=chrome&ie=UTF-8
41- أحمد على دهمان: الإبداع الشعري بين الإلهام والاستلهام: شعر أبي نواس أنموذجا، (د.ط) اتحاد الكتاب العرب – 2023م مجلة محكمة – سوريا ، ع168، ص 105 – 130.
42- – د مشاري الموسى: أنواع الفضاء النصي في الشعر الكويتي المعاصر، مقاربة بنيوية شعرية، جامعة الكويت، مشروع بحث رقم ١٧/٠٣، ص 515AA.
43- محمد بنيس: في اتجاه صوتك العمودي، ط١ ،الدار البيضاء: دار الثقافة الجديدة، 1980م
44- الأنثروبولوجيا هي علم دراسة الإنسان، ويشمل دراسة الثقافات، العادات، التقاليد، والتطور البشري عبر الزمن. يهدف هذا العلم إلى فهم كيفية تطور الإنسان وكيفية تفاعله مع بيئته ومع الآخرين. الأنثروبولوجيا تتناول جوانب متعددة من حياة الإنسان، بما في ذلك الجوانب الاجتماعية، الثقافية، البيولوجية، والأثرية.
45- أنثروبولوجيا المشاهدة هي فرع من الأنثروبولوجيا يركز على دراسة كيفية تفاعل الناس مع الصور والمشاهد البصرية في سياقاتهم الثقافية والاجتماعية. هذا المجال يهتم بفهم كيفية تأثير الصور والعلامات البصرية على الإدراك والسلوك البشري، وكيفية تفسير الناس لهذه الصور في ضوء خلفياتهم الثقافية والتاريخية.
تتضمن أنثروبولوجيا المشاهدة دراسة الأفلام، الصور الفوتوغرافية، الفنون البصرية، والإعلانات، وكيفية استقبالها وتفسيرها من قبل مختلف الجماعات الثقافية. هذا المجال يساهم في فهم أعمق لكيفية تشكيل الصور للعالم الذي نعيش فيه وكيفية تأثيرها على تصوراتنا ومعتقداتنا.
الكاتب في سطور
بيانات شخصية:
الإسم : سيد فاروق أحمد محمد
الشهرة : سيد فاروق
مواليد : القاهرة 10/1/1974
الصفة : شاعر فصحى وناقد وروائي
جوال : 01028885621- وتس 01550799980
الإميل : [email protected]
العنوان : حدائق القبة – محافظة القاهرة- مصر
المؤهلات العلمية:
– حاصل على بكالوريوس التجارة شعبة محاسبة ومراجعة جامعة القاهرة 2003
– حاصل على دبلومة الدراسات العليا في إدارة الأعمال جامعة القاهرة 2008
– حاصل على دبلومة الدراسات العليا في التمويل والاستثمار جامعة القاهرة 2009
– حاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال جامعة بني سويف 2023
– حاصل على درجة الدكتوراة في إدارة الأعمال جامعة بني سويف 2025
الإسهامات الشعرية والأدبية
– له العديد من الكتابات الشعرية والنقدية على الفضاء الأزرق والصحف الورقية والإلكترونية في الدوريات الأدبية العربية.
– حاصل على عدة جوائز عربية في النقد والشعر منها:
– حاصل على المركز الثاني في الشعر الفصيح في ساقية الإسكندرية عام 2010
– حاصل على مركز أول في الشعر الفصيح لجائزة عماد قطري للإبداع عام 2014
– حاصل على المركز الثاني مكرر لجائزة أديب النيل والفرات لعام 2019م .
– حاصل على المركز الأول في النقد الأدبي لجائزة المؤسسة العربية للعلوم والثقافة
– حاصل على الدكتوراه الفخرية في الأدب من أكاديمية اسبير عام 2019م.
– حاصل على الدكتوره الفخرية في الأدب والثقافة العالمية من جامعة المبدعين العرب عام 2020م عن رسالة ” الشمول النقدي والتركيب المنهجي “.
– عضو اتحاد الكتاب والمثقفين العرب
– عضو الاتحاد العالمي للشعراء والمبدعين العرب
– المستشار الثقافي لاتحاد الأدباء والمثقفين العرب (هيئة دولية)
– عضو عامل بنادي أدب أجا — دقهلية
– نشر كتاباته فى العديد من المنتديات والصحف والمجلات الورقية وعبر شبكات ومواقع التواصل الاجتماعي
– كما تم نشر مجموعة ابحاث مهمة في مجال النقد الأدبي بالمجلات العلمية المحكمة بعدد من الجامعات العربية والمصرية
– المستشار الثقافي للاتحاد الأدباء والمثقفين العرب (هيئة دولية)، عضو عامل بنادي أدب أجا – الدقهلية، عضو مشارك في العديد من المنتديات الأدبية والثقافية المصرية والعربية
الدواوين الشعرية والمؤلفات الأدبية
صدر له (12) ديوان شعري فصحى، كما صدر له رواية “يورفيجن” وعدة مؤلفات نفدية، كما له عدة أبحاث نقدية منشورة في المجلات العلمية المحكمة للجامعات العربية:
الدواوين الشعرية
1) ديوان إحساس متجدد “عامية ”
2) ديوان همس المشاعر “عامية ”
3) ميدان القلم “ديوان مجمع ”
4) ديوان مسافر إلى بيت القصيد “فصحى”
5) ديوان على بابك “عامية ”
6) ديوان موسيقا الكون “نثر إبداعي”
7) ديوان تاريخ العشق “عامية ”
8) ديوان الحزن السعيد “فصحى”
9) بردية إيزيس الأسطورة والحلم العاثر ” فصحى ”
10) ديوان سيزيف ” ترنيمة الخلد ” فصحى ”
11) ديوان مشكاة الروح ” فصحى ”
12) ديوان قبس من الرؤيا
المؤلفات الأدبية
– يوروفيجن “رواية”
المؤلفات النقدية
1. الإبداع الموازي “نقد”
2. المواقع الاستراتيجية على خارطة النص الإبداعي “نقد”
3. تقنيات السرد الحديثة في القصيدة المعاصرة ” نقد ”
4. الشمول النقدي والتراكيب المنهجية ” نقد ”
5. ثقافة المعنى والمبنى لفلسفات على حافة الروح لتغريد بو مرعي
رؤية نقدية: سيد فاروق
تحت الطبع:
• أكاديميَّة النقد المعاصر، ليست نقدًا أكاديميًّا “قراءة في شعراء الألفية الثالثة”
• دراما المسرح الشعري والقضايا المعاصرة “ديوان – لعينيك أغني – للشاعر الزاهد الديب انموذجًا ” قراءة نقدية
• اللهجة المحلية ” تطبيقات نقدية على التجربة المصرية المعاصرة ”
• قضايا نقدية معاصرة
• مجموعة قصصية
• ديوان عاصمة الضوء “فصحى”
• ديوان نبوءة ” فصحى ”
• ديوان مرايا الجموح ” فصحى ”
• ديوان فلسطين قدس التاريخ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محتويات الدراسة
~ 58 ~




