
صوت من الماضي * قصة د. ليلى صليبي
((صوتٌ من الماضي))
لم يكنْ كمالُ يخشى الماضيَ، بل كانَ يخشى أنْ يعودَ. فبعضُ الذكرياتِ لا ترحلُ؛ إنّها تختبئُ في زوايا القلبِ، تنتظرُ لحظةَ ضعفٍ لتفتحَ نوافذَها المغلقةَ. في مساءٍ شتويٍّ هادئٍ، وبينما كانَ كمالُ يقلّبُ صفحاتِ كتابٍ قديمٍ، رنَّ هاتفُه. ظهرَ رقمٌ مجهولٌ على الشاشةِ. تردّدَ قليلًا، ثمَّ أجابَ. كانَ صوتُ امرأةٍ متعبٍ، لكنّه حملَ دفئًا غريبًا: — كمال… هل تسمعُني؟ ارتجفَ للحظةٍ، كانَ في الصوتِ شيءٌ يشبهُ رائحةَ بيتِ الطفولةِ، وشيئًا من حنانٍ ظنَّ أنّه فقدَه إلى الأبدِ. — من أنتِ؟ صمتَتْ قليلًا، ثمَّ قالَتْ: — أنا سلمى … كنتُ صديقةَ أمِّكَ. توقّفَ قلبُه عندَ اسمِ أمِّه. ذلك الاسمُ الذي بقيَ في داخلِه جرحًا لم يلتئمْ. كانتْ أمُّه قد رحلتْ وهي تحملُ معها أسئلةً كثيرةً، وتركتْه يواجهُ صمتَها الطويلَ. طلبتْ منه سلمى أنْ يزورَها، وقالتْ: — لديّ شيءٌ تركتْه أمُّكَ لكَ قبلَ رحيلِها. في اليومِ التالي، دخلَ كمالُ بيتَ سلمى. كانَ البيتُ يشبهُ ذاكرةً قديمةً غطّاها الغبارُ؛ كلُّ زاويةٍ فيه تحفظُ همسةً، وكلُّ نافذةٍ تطلُّ على زمنٍ لم يعدْ موجودًا. ناولتْه صندوقًا صغيرًا. — أمُّكَ قالَتْ لي: “لا تعطيه إياه إلاّ عندما يكبرُ قلبُه بما يكفي ليفهمَ.” فتحَ الصندوقَ، فوجدَ رسائلَ كثيرةً. كانتْ كلماتُ أمِّه تنبضُ بين الأوراقِ كأنّها فراشاتٌ خرجتْ من قفصِ السنين. قرأَ: “يا كمال… ربّما ظننتَ أنّني لم أحبَّكَ لأنّني لم أُكثرْ من احتضانِكَ، لكنّني كنتُ أخبئُ خوفي عليك خلفَ َصمتي. كنتُ أخشى أن يسرقَ منك العالمُ طفولَتَكَ، فحاولْتُ أن أكونَ جدارًا يحميكَ، ولم أعرفْ أنَّ الجدرانَ أحيانًا تحجبُ الدفءَ أيضًا.” توقفَتْ عيناه عندَ السطورِ. للمرّةِ الأولى شعرَ أنّه يرى أمَّه لا كما عاشَها، بل كما كانتْ في أعماقِها. لكنْ رسالةٌ أخيرةٌ كانتْ مختلفةً. فتحَها بيدٍ مرتجفةٍ: “يا كمال… هناك أمرٌ لم أستطعْ قولَه لكَ عندما كنتَ صغيرًا، سألتَني ذاتَ يومٍ : لماذا لا تضحكين كثيرًا مثلكم؟ لم أجبْكَ. الحقيقةُ أنّني كنتُ أخفي عنكَ مرضي، لأنّني أردْتُ أن تتذكّرَني أمًّا قويّةً لا امرأةً هزمَتْها الأيامُ.” انخفضَ رأسُه، وشعرَ أنَّ سنواتِ العتابِ التي حملَها كانتْ حجرًا وضعَه بنفسِه فوقَ قلبِه. نظرَ إلى سلمى وقالَ: — لماذا لم تخبريني؟ ابتسمتْ بحزنٍ: — لأنَّ أمَّكَ لم تكنْ تريدُ منك أن تعيشَ ابنًا للحزنِ. كانَتْ تريدُكَ أنْ تعيشَ ابنًا للحبِّ والسعادةِ . خرجَ كمالُ من بيتِ سلمى يحملُ الصندوقَ بين يديْه، لكنّه شعرَ أنّه يحملُ قلبًا أعيدَ إليه بعدَ غيابٍ طويلٍ. وفي تلكَ اللّيلةِ، جلسَ قربَ النافذةِ، وأشعلَ المصباحَ، وفتحَ آخرَ رسالةٍ. كانَتْ قصيرةً: “كمال… إذا اشتقتَ إلى صوتي، فلا تبحثُ عنه في الماضي… ابحثْ عنه في الأشياءِ الجميلةِ التي تركتُها لكَ.” ابتسمَ وسطَ دموعِه. وعندما أغلقَ الرسالةَ، سمعَ رنينَ هاتفِه من جديدٍ. نظرَ إلى الشاشةِ، فظهرَ اسمُ أمِّه. تجمّدَ في مكانِه. كانَ يعلمُ أنّها رحلتْ منذ سنواتٍ… لكنّه فتحَ الاتصالَ، وجاءَه صوتُها واضحًا كأنّها تقفُ خلفَ البابِ: — كمال… هلْ قرأتَ الرسالةَ الأخيرةَ؟ هذه النهايةُ تتركُ مساحةً للتأويلِ: هل هو تسجيلٌ صوتيٌّ قديمٌ؟ أم رسالةٌ أعدّتْها الأمُّ مسبقًا؟ أم أنَّ أثرَ الحبِّ كانَ أقوى من غيابِها؟ ليلى صليبي/ لبنان




